كما أن أفراد كل قاعدة تختلف فيما بينها وفق مرتبتها وأهميتها، ففي الضروري نجد مرتبة الدين هي أعلي المراتب ثم يليها النفس ثم العرض والنسل والعقل وكل هذا لا يغير من الحقائق الشرعية، وذلك كالحكم علي عبد الله بن أبي سلول بالإسلام لمانع وهو في الحقيقة كافر ورأس المنافقين في الدرك الأسفل من النار، وهذا الحكم لا يغير من الحكم الأصلي أنه كافر في الحقيقة 0
ولكن الأمر هو إعمال للقواعد الشرعية مع بعضها البعض في ضوء الواقع والتغيرات التي تطرأ عليه، فتتقدم إحداهما باعتبار وتتآخر الآخرى باعتبار، ولا يعني هذا تغييرا للحقائق الشرعية في ذاتها ولا تعطيلا للأحكام، ولا خروجا عن شرع الله ولا تدرجا كل هذا تلبيس ليس من دين الله في شيء 0
يقول الشيخ أبو محمد المقدسي: أما فعله رضي الله عنه في عام الرمادة فهو اجتهاد محض مصيب فيه يؤجر عليه أجرين إن شاء الله .. وهو قطعًا وبلا شك من الحكم بما أنزل الله وليس بخارج عنه بحال، إذ هو إعمال لمقاصد الشريعة التي بعث الرسول صلي الله عليه وسلم بها وأنزل الكتاب ووضعت حدود الشريعة من أجل تحقيقها وهي حفظ مصالح الناس الأساسية الشرعية وتحصيل أعظمها ودرء المفاسد عنها .. وهذه المصالح الشرعية مضبوطة معلومة باستقراء نصوص الشريعة وليست هي تبع للأهواء والاستحسانات كما يتوهمه كثير من الرويبضة السفهاء .. فمنها ما هو ضروري ومنها ما هو حاجي وآخر تحسيني تكميلي.0
أما الضروريات فهي ست:"الدين والنفس والعقل والنسب والعرض والمال"وهي أهم المصالح علي الإطلاق، وأعلاها وأجلها هو الدين (التوحيد) فإذا ما تعارضت هذه الضروريات أو أحدها مع مصلحة حاجية أو تكميلية قدمت الضرورية بلا خلاف .. أما إذا تعارضت مصلحتان ضروريتان فإن التقديم يكون للأهم والأعظم منهما، من باب تحصيل أعظم المصلحتين المتعارضتين بتفويت أدناهما .. أو درء أعظم المفسدتين باحتمال أدناهما .. وهذا باب عظيم من أبواب الفقه، وهو من أعظم مقاصد شريعة الله وحكمها وقواعدها، ومن وفق إلي فهمه ومعرفته فقد هدي إلي معرفة كثير من أسرار الشريعة وحكمها .. وفهم هذا الباب وتطبيقه في الواقع، هو دون شك من أصول الشريعة ومن الحكم بما أنزل الله ..
ولم يكن اجتهاد عمر رضوان الله تعالى عليه في عام الرمادة إلا من هذا .. فقد قدم مصلحة النفوس وحفظها علي مصلحة المال وحفظها عندما تعارضتا، فقد كان الناس في مخمصة عظيمة والضرورات تبيح المحظورات .. فكان أكل المال المسروق كأكل الميتة في تلك الظروف .. يباح، بل يجب علي قول طائفة من أهل العلم إذا تحقق الهلاك، وتاركه في مثل ذلك عاص لله قاتل لنفسه كما يقول ابن حزم، واحتج بقوله تعالى: {ولا تقتلوا أنفسكم}
(النساء 29) ، قال:"وهو عموم لكل ما اقتضاه لفظه" اهـ0"
فدفع رضي الله عنه قدر ما استطاع أعظم المفسدتين باحتمال أدناهما .. وحافظ علي أعظم المصلحتين (أرواح الناس ونفوسهم) بتفويت أدناهما (أموالهم) لتعارضهما في تلك الظروف الخاصة .. وهذا من فقهه رضي الله عنه في دين الله وهو تحكيم لمقاصد الشريعة ومحافظة علي مصالحها وضرورياتها التي ما وضعت الحدود كلها أصلًا إلا لحفظها وتحصيلها ودرء المفاسد عنها0
ولذا قال ابن القيم فيه:"وهذا مقتضي قواعد الشرع"فهو إذن حكم بما أنزل الله .. وليس كما يلبس أعداء الله .. وهذا واضح بيّن .. وشتان شتان بينه وبين الحكم بغير ما أنزل الله بأقل أنواعه شرًا .. فكيف بأطمها .. ؟؟ والله