وكذلك سهم المؤلفة قلوبهم لما لم يقيمه عمر رضي الله عنه لم يكن معطلا لحكم من أحكام الله، وهو الخليفة الراشد الذي جعل الله سنته سنة شرعية، وذلك في قوله صلي الله عليه وسلم (اقتدوا باللذين من بعدي أبو بكر وعمر) ولكن الواقع الذي يتنزل عليه سهم المؤلفة قلوبهم وهو حال ضعف المسلمين قد تغير، فكان الحكم هو عدم الحكم لمن كان يعطي هذا السهم لتغير الواقع إلي قوة المسلمين، لا تعطيلا للأحكام ولا غيره، فلا أحد يستطيع أن يغير حكما شرعيا واحدا من عند نفسه حتي رسول الله صلي الله عليه وسلم إلا بوحي من الله فكيف بغيره 0
فعدم القطع ليس تعطيلًا لحكم الله، بل هو حكم الله، وذلك لان لأحكام الله أسبابًا وشروطًا وموانع، فإذا تحقق السبب، وتخلف شرط، أو وُجِدَ مانع، لم يثبت الحكم .. مثال ذلك: من قتل والده لم يرثه مع وجود سبب الإرث (البنوة) وشرطه (موت المورث) لوجود مانع من الحكم (القتل) ، فحكم الله أنه حينئذ لا يرث، ولا يقال إن حكم الله قد تعطل بذلك 0
وكذلك عدم القطع في عام المجاعة، لا يقال إن حكم الله قد عُطِّل، بل إن حكم الله: عدم القطع، لتخلف شرط من شروط القطع، أو وجود مانع منه، ثم كيف لعمررضي الله عنه أن يعطل حدا من حدود الله هكذا بدون سبب شرعي، ورسول الله صلي الله عليه وسلم يقول: - كما عند أبي داود وصححه الألباني عن عائشة رضي الله عنها-"أن قريشا أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت فقالوا من يكلم فيها تعني رسول الله صلي الله عليه وسلم قالوا ومن يجترئ إلا أسامة بن زيد حب رسول الله صلي الله عليه وسلم فكلمه أسامة فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم: يا أسامة أتشفع في حد من حدود الله ثم قام فاختطب فقال إنما هلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها"وهذه القواعد الشرعية تعمل مع الواقع فتعطي أحكاما أخرى، هي أحكام الله، كما أن عملها في الواقع كما بينا في تنزيل المصلحة علي أحسن وجه بما يصلح الواقع، وحتي لا تؤدي القواعد الأصلية في الواقع عكس المقصود منها 0
ومن خلال هذه القواعد من الممكن أن نقول أن الأحكام الشرعية تختلف بالنظر إلي حال الشخص نفسه أو الجماعة نفسها أو المجتمع نفسه من وقت إلي آخر تبعا لتغير الواقع ويسميه العلماء المناط الخاص كما كان يحدث مع رسول الله صلي الله عليه وسلم عندما يسأله صحابي أو أعرابي أوصني يا رسول الله يقول له لا تغضب وكما أوصي ابن عمر بقيام الليل رضي الله عنهما وهكذا كان يوصي كل شخص بما يصلحه في نفسه ومع اختلاف الأشخاص تختلف المداخل وبالتالي تختلف النصيحة،، فزواج الشخص من الممكن أن يكون مندوبا إليه باعتبار أو واجبا باعتبار أو منهيا عنه باعتبار، وذلك وفق ما يمكن أن يترتب علي ذلك من واقع، وذلك لا يغير من حقيقة الحكم الأصلي للزواج أنه مباح أو مندوب في الحقيقة 0
كذلك عمل المباح إذا اعترضته مناكر في الطريق، هل ينهي عن المباح باعتبار هذه المناكر، أم ينظر إلي هذا المباح هل يخدم أصلا كليا أم لا يخدم فان كان يخدم أصلا كليا فينظر اذا كان في الدرجة أعلي من الأصل الذي يعتمد النهي، فلا تعتبر المناكر أو العكس فلا يعتبر المباح، وهو إعمال للقواعد الشرعية الضروري والحاجي والتحسيني 0