الصفحة 24 من 25

ما استويا ولن يتلاقيا حتي تشيب مفارق الغربان، ولا يَنسب الفاروق إلي غير هذا ولا يتهمه بالحكم بغير ما أنزل الله إلا كافر زنديق .. أو رافضي خبيث غاظه عدلُ الفاروق ودينه. أهـ

وعلي هذا المعني جل الفقهاء يقول الإمام بن قدامة المقدسي: قال أحمد: لا قطع في المجاعة يعني أن المحتاج إذا سرق ما يأكله فلا قطع عليه لأنه كالمضطر - وروي الجوزجاني عن عمر أنه قال: لا قطع في عام سنة وقال: سألت أحمد عنه فقلت: تقول به؟ قال: أي لعمري لا أقطعه إذا حملته الحاجة والناس في شدة ومجاعة وعن الأوزاعي مثل ذلك وهذا محمول علي من لا يجد ما يشتريه أو لا يجد ما يشتري به فإن له شبهة في أخذ ما يأكله أو ما يشتري به ما يأكله0 [1]

يقول شيخ الإسلام رحمه الله: فالتعارض إما بين حسنتين لا يمكن الجمع بينهما، فتقدم أحسنهما بتفويت المرجوح، وإما بين سيئتين لا يمكن الخلو منهما فيدفع أسوأهما باحتمال أدناهما، واما بين حسنة وسيئة لا يمكن التفريق بينهما بل فعل الحسنه مستلزم لوقوع السيئة، وترك السيئة مستلزم لترك الحسنة، فيرجح الأرجح من منفعة الحسنة ومضرة السيئة - فالأول كالواجب والمستحب وكفرض العين وفرض الكفاية000

والثالث كتقديم المرأة المهاجرة لسفر الهجرة بلا محرم علي بقائها بدار الحرب ... وكتقديم قتل النفس علي الكفر كما قال تعالى: {والفتنه أكبر من القتل} فتقتل النفوس التي تحصل بها الفتنه عن الإيمان، لأن ضرر الكفر أعظم من ضرر قتل النفس وكتقديم قطع السارق ورجم الزاني وجلد الشارب علي مضرة السرقة والزنا والشرب وكذلك سائر العقوبات المأمور بها فإنما أمر بها مع أنها في الأصل سيئة وفيها ضرر لدفع ما هو أعظم ضررا منها وهي جرائمها إذ لا يمكن دفع ذلك الفساد الكبير إلا بهذا الفساد الصغير0

وكذلك في باب الجهاد وإن كان قتل من لم يقاتل من النساء والصبيان وغيرهم حراما فمتي احتيج إلي قتال قد يعمهم مثل الرمي بالمنجنيق والتبييت بالليل جاز ذلك كما جاءت فيها السنة في حصار الطائف ورميهم بالمنجنيق وفي أهل الدار من المشركين يبيتون وهو دفع لفساد الفتنه أيضا بقتل من لا يجوز قصد قتله وكذلك مسألة التترس التي ذكرها الفقهاء فان الجهاد هو دفع فتنه الكفر فيحصل فيها من المضرة ما هو دونها 0

ولهذا اتفق الفقهاء علي أنه متي لم يمكن دفع الضرر عن المسلمين إلا بما يفضي إلي قتل أولئك المتترس بهم جاز ذلك وأن لم يخف الضرر لكن لم يمكن الجهاد الا بما يفضي إلي قتلهم ففيه قولان ومن يسوغ ذلك يقول قتلهم لأجل مصلحة الجهاد مثل قتل المسلمين المقاتلين يكونون شهداء ومثل ذلك إقامة الحد علي المباذل وقتال البغاة وغير ذلك ومن ذلك إباحة نكاح الأمة خشية العنت وهذا باب واسع أيضا وأما الرابع فمثل أكل الميتة عند المخمصة ... ) [2]

ومن هنا نستطيع بفضل الله أن نفهم بوضوح، قول رسول الله صلي الله عليه وسلم للسيدة عائشة رضي الله عنها لولا أن قومك حديثوا عهد بكفر لهدمت البيت وأقمته علي أصوله الأولي، وكذلك كلام بن تيمية لمن أراد أن يمنع التتري من شرب الخمر فقال له: دعه فإنه لو فاق من سكره سيقتل المسلمين، وقول عمر بن عبد العزيز

(1) 1 / الشرح الكبير لابن قدامة ج10ص285

(2) 1 / مجموع الفتاوى ج: 20 ص: 51 ـ 53

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت