وأما حديث عثمان بن أبي العاص؛ الذي قال فيه صلي الله عليه وسلم: (إن لكم أن لا تحشروا ولا تعشروا) فلفظ تحشروا قال في"اللسان": (أي لا يندبون إلي المغازي ولا تضرب عليهم البعوث، وقيل لا يحشرون إلي عامل الزكاة ليأخذ صدقة أموالهم، بل يأخذها في أماكنهم) ولفظ تعشروا قال في"اللسان": (أي لا يؤخذ عشر أموالهم، وقيل أرادوا به الصدقة الواجبة) هذان اللفظان من المشترك، والمشترك يجب حمله علي جميع معانيه، إلا إذا وجدت قرينة تخصصه بأحد معانيه، وهنا الأحاديث الواردة في إيجاب الصدقة والجهاد والنهي عن التخير؛ ترجح أن المراد؛ لا يحشرون إلي عامل الزكاة فيأخذها في أماكنهم، ولا يعشرون؛ أي لا يؤخذ منهم العشر كاملًا 0
ثم يقال في هذا الحديث ما قيل في حديث جابر في وضع الصدقة والجهاد عن ثقيف، فموضوعهما واحد وإن اختلفت الألفاظ0
ومن هنا يتضح لنا أنه لا يصح الإسلام مع الشرط الفاسد ولا يجوز الاستدلال بذلك علي التدرج ولا علي عدم تطبيق شرع الله وتطبيق شرع غير شرع الله0
والشرط الفاسد: هو شرط غير شرعي، يصدر عن الشخص نفسه أو عن جماعة من الناس لا من الشارع وهو غير معتبر، كما أنه معارض لمعني الإسلام، فالإسلام استسلام لله بقبول شرعه وحده ورفض ما سواه فلا شرط في الإسلام فالإنسان ليس له إلا أن يخلص استسلامه لله لا أن يقبل ويرفض في دين الله0
وإذا كان صلي الله عليه وسلم لا يقدر أن يغير حكما من أحكام الصدقة - من غير وحي- فكيف يسقط التكليف بها جملة، بل كيف بمن دونه، ففي الحديث عندما سأله رجل أن يعطيه من الصدقات، قال له: [إن الله لم يكل قسمتها إلي ملك مقرب، ولا نبي مرسل، حتي جزأها ثمانية أجزاء، فإن كنت جزءا منها أعطيتك] 0
وكما أن هذه قضايا أعيان تتعارض مع القواعد المحكمه فينبغي إما ردها لمخالفتها لقطعيات الشريعة أو تأويلها بما يتفق مع هذه القواعد المحكمة الكلية ومن ثم يجب أن تتنزل علي مقتضي القواعد الكلية، فاذا كانت لا تقوي علي أن تعارض آحاد الأدلة فكيف تعارض قواعد الدين الكلية وأصوله المحكمة0
رابعا: لا يجوز عبادة الله بالدين المبدل أو المنسوخ:
يقول شيخ الإسلام [ودين الإسلام مبني علي أصلين: ـ أن نعبد الله وحده لا شريك له، وأن نعبده بما شرعه من الدين وهو ما أمرت به الرسل أمر إيجاب أو أمر استحباب فيعبد في كل زمان بما أمر به في ذلك الزمان، فلما كانت شريعة التوراة محكمة كان العاملون بها مسلمين وكذلك شريعة الإنجيل، وفي أول الإسلام لما كان النبي يصلي إلي جانب بيت المقدس كانت الصلاة إليه من الإسلام ولما أمر بالتوجه إلي الكعبة كانت الصلاة إليها من الإسلام والعدول عنها إلي الصخرة خروجًا عن دين الإسلام، فكل من لم يعبد الله بعد مبعث محمد بما شرعه الله من واجب ومندوب ومستحب فليس بمسلم] [1]
(1) / قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة