كما نقل الطبري أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال عند نزول آيتي البقرة والنساء: (إن ربكم يقدم في الخمر) ، من حديث الربيع بن أنس بإسناد رجاله وثقوا0
وكون الله سبحانه قدم في تحريم الخمر، لا يسوغ لأحد أن يتدرج أو يقدم مقدمات للتحريم، إذ لا معني لهذا إلا أن يعطل حكم التحريم. هذا في الخمر0
وقد يقول قائل: إذا قامت دولة إسلامية أو فتحنا بلدًا أقررنا الربا وعطلنا الزكاة، وأقررنا فرض الصلاة وعطلنا فرض الجزية، وأقررنا حد السرقة وعطلنا حد الردة، وأقررنا حد الحرابة، وعطلنا قتال البغاة، وهذا مما لا يقول به مسلم، فبعد أن أكمل الله الدين أمرنا بالتقيد بكل ما جاء به محمد صلي الله عليه وسلم من عند الله؛ لا يسوغ لأحد ترك حكم واحد من أحكامه أبدا0
فإن قيل: إن التدرج مما جاء به!! أجيب بأن تقديم الله سبحانه في الخمر لا يبيح للعباد أن يقدموا في تحريمها، وكونه سبحانه أكمل الدين علي مدي ثلاثة وعشرين عامًا لا يسوغ للعباد أن يطبقوه منجمًا علي عدد هذه السنين، وكون التشريع فيه المكي والمدني لا يسوغ تعطيل الأحكام المدنية إلي ما بعد قيام الدولة، إلا ما جعله الله من اختصاص الدولة0
وإن أريد بالتدرج؛ محاولة إدخال بعض الأحكام في دساتير وقوانين الدول التي تحكم بغير ما أنزل الله اليوم، فأقل ما يقال فيه إنه باطل - أما حديث جابر الذي أخرجه أحمد؛ ففيه ابن لهيعة وهو ضعيف، ورواية أبي داود له مما يحتج به، مع أن المنذري سكت عنه 0
وهو يفيد بمفهومه لا بمنطوقه؛ أن رسول الله قبل من ثقيف شرطهم في وضع الصدقة والجهاد عنهم، وذلك من قوله صلي الله عليه وسلم: (سيتصدقون ويجاهدون) ، فقوله هذا يقتضي أنه قبل شرطهم، فدلالته من قبيل دلالة الاقتضاء وهي من المفهوم، وهو يعارض منطوق حديث عبد الله بن عمر في النهي عن التخير، كما يعارض منطوق حديث بشير بن الخصاصية الذي لم يقبل فيه رسول الله أن يضع عنه الجهاد والصدقة، ويعارض منطوق حديث الوفد عند ابن القيم؛ إذ لم يقبل صلي الله عليه وسلم أن يبقي لهم صنمهم ويبيح لهم الزنا والربا والخمر، ويعارض رواية ابن هشام في وضع الصلاة عنهم وحديث عثمان بن أبي العاص في أن لا يجبوا ... وإذا تعارض المنطوق مع المفهوم رجح المنطوق0 [1]
وأيضًا إذا تعارض الخبر الدال علي الوجوب؛ رُجّح علي الخبر الدال علي الإباحة، وخبر ابن الخصاصية دال علي الوجوب، فيرجح علي خبر جابر الدال علي الإباحة، إلا أنه يمكن رفع التعارض وإعمال الدليلين، وذلك أولي من إهمال أحدهما، وذلك بأن يقال؛ إن إعفاء ثقيف من الجهاد والصدقة خاص بثقيف، بدليل أن رسول الله علم أنهم سيتصدقون ويجاهدون، وهذا هو قول راوي الحديث جابر رضي الله عنه0
فقد أخرج صاحب"عون المعبود"قال: (وسئل جابر عن اشتراط ثقيف أن لا صدقة عليها ولا جهاد، فقال: علم أنهم سيتصدقون ويجاهدون إذا أسلموا) وهذا العلم لا يتأتي لغير رسول الله فيبقي خاصًا بثقيف0
(1) 1 / المنطوق الصريح مقدم على المفهوم التلميحى وذلك إذا اعتبرناه حجة وذلك لأن المنطوق أقوى دلالة على الحكم من المفهوم - كما هو معلوم في أصول الفقه -