وقوله تعالى: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} ، وفي آية ثانية: {فأولئك هم الظالمون} ، وفي ثالثة: {فأولئك هم الفاسقون} ولفظ"ما"في الآيات الثلاث من ألفاظ العموم، فتشمل جميع ما أنزل الله. والذي يدعو إلي التدرج؛ يدعو إلي ترك بعض الأحكام في بعض الأحوال، والشريعة تطبق كافة وما عدا ذلك فهو إتباع خطوات الشيطان , قال تعالى:" {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} . (208) البقرة، لا بتطبيق البعض دون الآخر بما نراه {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إلي أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} "85 البقرة0
وأما السنة:
أخرج ابن ماجة بإسناد رجاله ثقات، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ أَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ -صلي الله عليه وسلم- فَقَالَ «يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ 00 وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ وَيَتَخَيَّرُوا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلاَّ جَعَلَ اللَّهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ» . [1] وهذا نص في المسألة، ينهي نهيًا جازمًا عن التخير مما أنزل الله، والتدرج هو عين التخير، فيكون منهيًا عنه نهيًا جازمًا 0
ومن السنة أيضًا: ما أخرجه أحمد بإسناد رجاله ثقات عن السدوسي - يعني ابن الخصاصية - قال: (أتيت النبي صلي الله عليه وسلم لأبايعه) ، قال: (فاشترط علي شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله وأن أقيم الصلاة وأن أودي الزكاة، وإن أحج حجة الإسلام وأن أصوم شهر رمضان، وأن أجاهد في سبيل الله، فقلت: يا رسول الله، أما اثنتان فوالله ما أطيقهما، الجهاد والصدقة، فإنهم زعموا أن من ولّي الدبر فقد باء بغضب من الله، فأخاف إن حضرت تلك جشعت نفسي وكرهت الموت، والصدقة فوالله ما لي إلا غنيمة وعشر ذود، هن رسل أهلي وحمولتهم، قال فقبض رسول الله صلي الله عليه وسلم يده، ثم حرك يده، ثم قال: فلا جهاد ولا صدقة فبم تدخل الجنة إذًا؟! قلت: يا رسول الله، أنا أبايعك) ، قال: (فبايعت عليهن كلهن) فهذا نص؛ في أنه صلي الله عليه وسلم لم يقبل من ابن الخصاصية أن يترك الجهاد والصدقة، وهو يعارض حديثي جابر وعثمان بن أبي العاص في وفد ثقيف، كما سيأتي0
ومن السنة أيضًا ما جاء في حديث عبادة الذي آخرجه مسلم: [وأن لا ننازع الأمر أهله، إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم من الله فيه برهان] يعني؛ أن ننازع الأمر أهله وننابذهم إذا رأينا الكفر البواح الذي عندنا فيه من الله برهان، والذي يدعو إلي التدرج؛ يدعو إلي الخلط بين ما هو من الإسلام وما هو من غيره، أي الخلط بين الإسلام والكفر، ولو في وقت ما، فإن جاء حاكم مسلم وزعم أنه يحكم بالإسلام ثم خلط به الكفر البواح بحجة التدرج؛ وجبت منابذته0
ومن السنة أيضا ما رواه ابن القيم في"زاد المعاد":
(فقال كنانة بن عبد يإليل: هل أنت مقاضينا حتي نرجع إلي قومنا؟ قال: نعم، إن أنتم أقررتم بالإسلام أقاضيكم، وإلا فلا قضية ولا صلح بيني وبينكم، قال: أفرأيت الزنا فإنا قوم نغترب ولا بد لنا منه؟ قال: هو عليكم حرام،
(1) 1 / تحقيق الألباني: حسن، الصحيحة (106)