الصفحة 11 من 25

وأن لا يكسروا أوثانهم بأيديهم، فقال رسول الله: أما كسر أوثانكم بأيديكم فسنعفيكم منه، وأما الصلاة فإنه لا خير في دين لا صلاة فيه .. » والصلاة كانت حينذاك قد فرضت، فلم يقل لهم لا تصلّوا مدة ثماني سنوات ثم أدّوها: أو قبل منهم أن يترك لهم اللات شهرًا ثم يهدموها بعد ذلك - فأين التدرّج في ذلك!! وقد أجمع الصحابة أيام الخليفة أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه علي محاربة مانعي الزكاة من المرتدّين. وقد كان أحري بأبي بكر رضي الله عنه أن يتجنّب الفتنة، وأن يحقن دماء المسلمين، وأن لا يُقدم علي محاربة غالبية قبائل العرب، والتي كانت قد منعت الزكاة بعد وفاة النبي لقلّة إمكاناته. لكنه، والصحابة معه، لم يقبل تعطيل حكم واحد من أحكام الشرع الإسلامي رغم الخطر المحقّق الذي سيقع علي الدولة الإسلامية فيما لو حارب القبائل.،لذلك علي المسلمين تطبيق أحكام الإسلام كاملة بمجرد توصلهم إلي سُدّة الحكم. وعليهم حينذاك أن يواجهوا الأخطار والفتن التي قد تنشأ من جرّاء ذلك0

فلا يجوز التدرج في تطبيق أحكام الإسلام، وما جعله الله حلالا فهو حلال إلي يوم القيامة، وما جعلة الله حراما فهو حرام إلي يوم القيامة وما جعله الله واجبا فهو واجب إلي يوم القيامة وما جعله سببا أو شرطا أو مانعا فهو كذلك إلي يوم القيامة0

ومن هنا فإن تطبيق أحكام الإسلام واجب في حق الجميع والأدلة علي هذا الوجوب؛ الكتاب والسنة والإجماع0

أما الكتاب:

فقوله تعالى: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} الحشر (7) و"ما"من ألفاظ العموم، فتشمل جميع الأوامر وجميع النواهي، فيجب التقيد بكل ما أمر الله به وما نهي عنه، أما من حيث المكلفون، فهو موجه لجميع المؤمنين، فالعموم كائن في الخطاب وفي المكلفين0

وقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} الأحزاب (36) فبعد أن أكمل الله لنا الدين لم يبق لنا أن نتخير بين ما كلفنا به، فنحن مكلفون بجميع الأوامر والنواهي 0

والقائلون بالتدرج بعد إكمال الدين؛ يريدون أن يتخيروا، إذ لا معني للتدرج إلا التخير بين فعل أو ترك ما أمرنا به أو نهينا عنه، فكلمتا"مؤمن"و"مؤمنة"نكرتان مسبوقتان بنفي فأفادتا العموم، ولفظ"أمرًا"لفظ مطلق لم يقيد، ولفظ"أمرا"نكرة مضافة وهي تفيد العموم ولم يرد ما يخصص هذا العموم0

قوله تعالى: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ} المائدة (49) فهذا طلب جازم من الله سبحانه لرسوله وللحكام من بعده أن يحكموا بجميع ما أنزل الله من أحكام، لأن"ما"من ألفاظ العموم؛ ولم يكتف سبحانه بذلك بل نهي عن اتباع أهواء الناس فقال: {وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ} ، ثم حذره وتحذيره تحذير للأمة من بعده من الافتتان عن بعض ما أنزل الله، والتدرج يستوجب افتتانًا عن بعض ما أنزل الله، لا معني له غير هذا0

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت