… (و) جودة القريحة: ومعنى ذلك أن يكون كثير الإصابة، صحيح الاستنباط، فلا تصلح فتيا الغبي، ولا من كثر غلطه، بل يجب أن يكون بطبعه شديد الفهم لمقاصد الكلام ودلالة القرائن، صادق الحكم، وقد تقدم في كلام الشافعي: أن تكون له قريحة، قال النووي: شرط المفتي كونه فقيه النفس، سليم الذهن، رصين الفكر، صحيح النظر والاستنباط. اهـ (1) ، وهذا يصحح فتياه من جهتين:
…الأولى: صحة أخذه للحكم من أدلته.
…والثانية: صحة تطبيقه للحكم على الواقعة المسؤول عنها، فلا يغفل عن أي من الأوصاف المؤثرة في الحكم، ولايعتقد تأثير مالا أثر له.
… (ز) الفطانة والتيقظ: يشترط في المفتي أن يكون متيقظًا (2) ، قال ابن عابدين: شرط بعضهم تيقظ المفتي، قال: وهذا شرط في زماننا، فلابد أن يكون المفتي متيقظًا يعلم حيل الناس ودسائسهم، فإن لبعضهم مهارة في الحيل والتزوير وقلب الكلام وتصوير الباطل في صورة الحق، فغفلة المفتي يلزم منها ضرر كبير في هذا الزمان (3) ، وقال ابن القيم: ينبغي للمفتي أن يكون بصيرًا بمكر الناس وخداعهم وأحوالهم، فإن لم يكن كذلك زاغ وأزاغ، فالغِرّ يروج عليه زَغَل المسائل كما يروج على الجاهل بالنقد زَغَل الدراهم، وذو البصيرة يخرج زَيْفَها كما يخرج الناقد زَغَل النقود، وكم من باطل يخرجه الرجل بحسن لفظه وتنميقه في صورة حق، بل هذا أغلب
(1) …المجموع شرح المهذب 1/41.
(2) …المجموع 1/41.
(3) …حاشية ابن عابدين 4/301.
أحوال الناس، فإن لم يكن المفتي فقيهًا في معرفة أحوال الناس تصور له المظلوم في صورة الظالم وعكسه (1) .
…ومما يتعلق بهذا مانبه إليه بعض العلماء من أنه يشترط في المفتي أن يكون على علم بالأعراف اللفظية للمستفتي، لئلا يفهم كلامه على غير وجهه، وهذا إن كان إفتاؤه في ما يتعلق بالألفاظ كالأيمان والإقرار ونحوها (2) .