والثانية أن يكون مضنوًا في بدنه لا يقدر أن يثبت على مركبٍ بحال ، وهو قادر على من يطيعه إذا أمره أن يحج عنه بطاعته له ، أو قادر على مال يجد من يستأجره ببعضه فيحج عنه ، فيكون هذا ممن لزمته فريضة الحج كما قدر. ومعروف في لسان العرب أن الاستطاعة تكون بالبدن ، وبمن يقوم مقام البدن ، وذلك أن الرجل يقول: أنا مستطيع لأن أبني داري ؛ يعني بيده ، ويعنى بأن يأمر من يبنيها بإجارة أو يتطوع ببنائها له ، وكذلك مستطيع لأن أخيط ثوبي ، وغير ذلك مما يعمله هو بنفسه ويعمله له غيره . فإن قال قائل: الحج على البدن ، وأنت تقول في الأعمال على الأبدان إنما يؤديها عاملها بنفسه ؛ مثل الصلاة والصيام ، فيصلى المرء قائمًا ، فإن لم يقدر صلى جالسا أو مضطجعا ، ولا يصلى عنه غيره ، وإن لم يقدر على الصوم قضاه إذا قدر أو كفر ولم يصم عنه غيره ، وأجزأ عنه ؟ . قيل له: إن شاء الله تعالى الشرائع تجتمع في معنى ، وتفترق في غيره ، بما فرق الله به عز وجل بينها في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم ، أو بما اجتمعت عليه عوام المسلمين الذين لم يكن فيهم أن يجهلوا أحكام الله تعالى . فإن قال: فادللني على ما وصفت من كتاب الله تعالى أو سنة رسوله صلَّى الله عليه وسلَّم ؟ . قيل له: أخبرنا سفيان قال سمعت الزهري يحدث عن سليمان بن يسار عن ابن عباس: أن امرأة من خثعم سألت النبي صلَّى الله عليه وسلَّم فقالت: إن فريضه الله في الحج على عباده أدركت أبي شيخا كبيرا لا يستطيع أن يستمسك على راحلته ،