هذه عين الحكمة ألا يصادموا التيار العام، وإنما يتخذون من الوسائل التي تنزع فتيل الشقاق والخلاف، والنزاع والصدام، فتخفى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى لا يبدأ دعوته الراشدة بالصدام مع ذوي الهوى، والنزاع مع ذوي السلطة ، وكانت هذه الدار لتربية الأفذاذ من الرجال والنساء، الشباب والفتيات، على نسمات الوحي، وصلوات السحر ، وأنوار الذكر ، وأنهار الفكر في هذا الكون الذي يعبر عن قوة خالقه ، وإحكام مسيّره، وإبداع مالكه سبحانه وتعالى .
لكن أصحاب الحق يحتاجون في ذلك إلى صبر شديد، حيث يؤرق القلب والعقل والوجدان أن يتاح في مكة وبيت الله الحرام كل ألوان الكفر والفسوق والعصيان، ولا يتاح لعباد الرحمن أن تكون لهم صلوات حول الكعبة أو قراءة للقرآن ، وإذا أردنا أن نعرف الفرق بين حرية الكفر وحرية أهل الإيمان فلنتوقف بإمعان وتدبر أمام هاتين القضيتين:-
ما رواه الإمام النسائي من سيرة عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه - أنه لما قرأ عند الكعبة سورة الرحمن أوسعوه ضربا حتى كادوا يقتلونه لمجرد تلاوته لآيات من القرآن ، وهو لا يحمل معها سيفا ولا رمحا {فضائل الصحابة ، للنسائي ، (2/837 ) }
ما رواه البخاري عن ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما، عن إسلام أبي ذر - رضي الله عنه - أنه وصل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بصعوبة ، وبفراسة من الإمام الألمعي علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - ، وسار معه في وضع خفي، ولما أعلن إسلامه أمام أهل قريش هجموا عليه وضربوه ضربا مبرحا حتى نجا من الموت بمساعدة العباس بن عبد المطلب ، حيث خوفهم على تجارتهم من بني غفار. { صحيح البخاري، باب قصة زمزم، (7 /239) ، برقم 3446}