وإنما هم بحاجة إلى حكم الإسلام والذي لا سبيل إليه إلا باستئصال شجرة الكفر الخبيثة التي تتغذى منها تلك الدول، وهؤلاء الحكام لم يكفروا بتلبسهم بناقضٍ واحدٍ من نواقض الإسلام ولم يرتكبوا ما ارتكبوا من الكفر عن تأويلٍ قاصدين الحق فخانهم الفهم بل هم أصلًا ما حكموا إلا ليكونوا حربًا على الإسلام وما أقاموا دولهم العلمانية إلا ليحولوا بها بين الشعوب ودولتهم الإسلامية، فهم في حقيقة أمرهم استعمارٌ متمكنٌ على رقاب العباد يمارس نفس ما كان يمارسه الاستعمار الغربي السافر حذو القذة بالقذة.
وإنه لمن الأجحاف حقًا بهذه المسألة العظيمة التي هي انقلابٌ تامٌ على الإسلام، واتباع سبل متقنة وسياسات مرسومة للقضاء عليه وإخراج أهله منه أن نختزلها في نقاشات فرعية نصبح معها كأننا نسبح في الهواء بعيدين كل البعد عن الواقع العاتي الذي ينطق لسانه في كل جهةٍ برفضه للدين وإبائه لأحكامه واعتراضه على شرائعه وقبوله واستبشاره واستماتته في اعتناق وترسيخ وتحكيم شرائع الكفر في ثوب (دين جديد) ثم نظن أننا بذلك نحسن صنعًا ونسير على (منهج السلف) الذين نظلمهم ونسيء إليهم بنسبة هذا التضليل الوبيل إليهم وهم منه براء، وقد أحسن العلامة الأديب المحققِّ محمود شاكر - طيب الله ثراه - حينما تنبه لهذه النكتة فقال:(فلم يكن سؤالهم عما احتج به مبتدعة زماننا، من القضاء في الأموال والأعراض والدماء بقانون مخالف لشريعة أهل الإسلام، ولا في إصدار قانون ملزم لأهل الإسلام، بالاحتكام إلى حكم غير الله في كتابه وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، فهذا الفعل إعراض عن حكم الله، ورغبة عن دينه وإيثار لأحكام أهل الكفر على حكم الله سبحانه وتعالى، وهذا كفر لا يشك أحد من أهل القبلة على اختلافهم في تكفير القائل به والداعي إليه.
والذي نحن فيه اليوم هو هجر لأحكام الله عامة بلا استثناء، وإيثار حكم غير حكمه في كتابه وسنة نبيه، وتعطيل لكل ما في شريعة الله، بل بلغ الأمر مبلغ الاحتجاج على تفضيل أحكام القانون الموضوع على أحكام الله المنزلة، وإدعاء المحتجين بذلك بأن أحكام الشريعة إنما نزلت لزمان غير زماننا، ولعلل وأسباب انقضت فسقطت الأحكام كلها بانقضائها.)اهـ.
وتأمل قوله: (وهذا كفر لا يشك أحد من أهل القبلة على اختلافهم في تكفير القائل به والداعي إليه) اهـ