الصفحة 22 من 27

والصوائف) وذلك بقصد الردع عن العدوان وهي (الحرب الوقائية) ، وهذه البعوث ـ بالرغم من تقرير الفقهاء وجوبها فإن ذلك كان لمقتضيات العصور التي عايشوها.

وفيما يلي تقرير مشروعيتها: نص ابن قدامة والحطاب وغيرهما على أنه يجب أن يبعث الإمام في كل سنة جيشًا يغيرون على العدو في بلادهم، وعبارة ابن عبد البر: فرض على الإمام إغزاء طائفة للعدو في كل سنة يخرج هو بها أو من يثق به وفرض على الناس في أموالهم وأنفسهم الخروج المذكور لا خروجهم كافة.

أما ارتباطها بمقتضى الأحوال فإن ابن قدامة نفسه بعدما أشار إلى أن اقل ما يفعل الجهاد مرة في كل عام أورد استثناءات كثيرة يهمنا منها قوله:"أو يعلم الإمام من عدوه حسن الرأي في الإسلام فيطمع في إسلامهم إن أخر قتالهم ونحو ذلك مما يرى المصلحة معه في ترك القتال، فيجوز تركه بهدنة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد صالح قريشًا عشر سنين، وأخر قتالهم حتى نقضوا عهده، وأخر قتال قبائل العرب بغير هدنة" [1] .

ومن هذا يتبين أن هذه البعوث هي مبادرات معهودة في تلك العصور، حيث لا وجود للمعاهدات الدولية بالمصطلح الحديث ولا وجود للمنظمات الدولية التي ترعاها ـ ولو أدبيًا ـ فكانت تلك البعوث لمنع الاعتداء ولو بالتفكير به أو التخطيط له، ولاستبقاء الرهبة التي يوجد معها توازن القوى، وهو المطلوب في قوله تعالى ? واعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم [2] .

أما الآن فقد تحقق ما يستغنى به عن ذلك وهو المعاهدات والمواثيق الدولية كما أن حالة السلم هي السبيل الآن للترغيب في الإسلام في ظل مبدأ الحريات، وهو مبدأ كان غائبًا أو مغيبًا بوجود الكيانات المسيطرة والحائلة دون نفوذ الدعوة للشعوب [3] .

(1) المغني لابن قدامة 8/ 348 والحطاب شرح خليل 3/ 347 ناقلا عن الكافي لابن عبد البر.

(2) سورة الأنفال الآية / 60 وقد عنى بعض الباحثين بتفصيل أسباب الحروب والغزوات وفي صدر الإسلام (الشريعة الإسلامية والقانون الدولي) للمستشار علي علي منصور ط. المجلس الأعلى للشئون الإسلامية 1384هـ = 1965.

(3) ومن العبارات الدالة على هذا قول ابن جزي في القوانين الفقهية 97"إذا حميت أطراف البلاد، وسدت الثغور سقط فرض الجهاد (يقصد فرض الكفاية بالبعوث السنوية) وبقي ناقلة".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت