مطلقة قد يؤول في بعض الأفعال لخصوصية فيها إلى مفسدة تساوي أو تفوق المصلحة التي يقتضيها القياس، فيعدل بذلك الفعل عن الحكم الذي يقتضيه ذلك القياس إلى حكم آخر يتفادى في الفعل المخصوص الأيلولة إلى المفسدة [1] .
2 ـ الحجج الشرعية لاعتبار مآلات الأفعال:
ليس أصل مآلات الأفعال محلّ اتّفاق في اعتباره أصلا للاجتهاد بين الأيمّة المجتهدين من حيث كونه أصلا قائما، ولكن حتى أولئك المعارضين لأصليّته الاجتهادية اعتمدوا في اجتهادهم بعض تطبيقاته على وجه أو آخر من الاستعمال [2] . وربّما كان من أهمّ ما تمسّك به المعارضون لهذا الأصل هو أنّ الحكم الشرعي إذا ما تقرّر في شأن فعل من الأفعال فإنّ الشارع الحكيم لم يشرّعه في حقّه إلاّ لعلمه بتأديته إلى المصلحة، فإذا ما وقع صرفه عنه إلى حكم آخر فإنّ ذلك يعتبر مخالفة لإرادة الشارع وتقوّلا عليه. ولكنّ المتأمّل في نصوص الدين وقواعده العامّة لا يعدم أدلّة على أنّ اعتبار مآلات الأفعال أصل من الأصول التي بنيت عليها الشريعة، ومنهج معتبر من مناهج الاجتهاد. ومن تلك الأدلّة ما يلي:
أ ـ حجّة التنصيص النظري: وتتمثّل فيما ورد من نصوص تفيد بصفة مباشرة أنّ مآلات الأحكام أمر معتبر في الشريعة، وبيان ذلك في العديد من الآيات القرآنية التي ضُبطت فيها أحكام معيّنة، وعُلّلت بالمآلات التي تؤول إليها. ومن أمثلة ذلك قوله تعالى في التعقيب على تشريع القصاص:"ولكُم في القِصَاصِ حياةٌ ياأُولِي الأَلبَابِ" (البقرة/179) ، وقوله تعالى في التعقيب على تحريم الخمر والميسر:"إنّما يُريد الشيطانُ أن يُوقعَ بينكُم العدَاوَةَ والبغضَاءَ في الخمرِ والميسِرِ" (المائدة/91) .
فتعليل هذه الأحكام بمآلاتها من تحقيق مصلحة بإجراء حكم الوجوب على الأفعال، واتّقاء مفسدة بإجراء حكم المنع عليها دليل على أنّ اعتبار المآل الذي يؤول إليه الحكم أمر معتبر في التشريع، وهو بالتالي أمر معتبر في الاجتهاد. ولا يقدح في ذلك ما يشوب الأيلولة من الظنّية التي قد تكون سببا في إهدار مقاصد الأحكام في الأفعال التي وُضعت لها لمّا يُعدل بها
(1) راجع في تفصيل ذلك في: الشاطبي ـ الموافقات: 5/ 182 وما بعدها.
(2) راجع هذه المسألة ومناقشتها في: آل سلمان ـ تحقيق الموافقات: 5/ 186