الصفحة 5 من 49

الهلاك فيما لو طبّق حكم المنع على هذا الفرد من أفراد السرقة شأن كلّ أفراد جنسها؛ وبالنظر إلى ذلك فإنّ الفقيه يعدل بحكم المنع في هذا الفرد لعدم تحقيقه المصلحة المبتغاة منه إلى حكم الجواز.

وقد كان الإمام الشاطبي بحسب ما وقفنا عليه من أوفى من شرح هذا المدلول الاصطلاحي، إذ قال في شأنه:"النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعا، كانت الأفعال موافقة أو مخالفة؛ وذلك أنّ المجتهد لا يحكم على فعل من الأفعال الصادرة عن المكلّفين بالإقدام أو بالإحجام إلاّ بعد نظره إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل، [فقد يكون] مشروعا لمصلحة فيه تُستجلب، أو لمفسدة تدرأ، ولكن له مآل على خلاف ما قُصد فيه، وقد يكون غير مشروع لمفسدة تنشأ عنه أو مصلحة تندفع به، ولكن له مآل على خلاف ذلك، فإذا أُطلق القول في الأوّل بالمشروعية فربّما أدّى استجلاب المصلحة فيه إلى مفسدة تساوي المصلحة أو تزيد عليها، فيكون هذا مانعا من إطلاق القول بالمشروعية، وكذلك إذا أُطلق القول في الثاني بعدم المشروعية ربّما أدّى استدفاع المفسدة إلى مفسدة تساوي أو تزيد، فلا يصحّ إطلاق القول بعدم المشروعية، وهو مجال للمجتهد صعب المورد، إلاّ أنّه عذب المذاق، محمود الغبّ، جار على مقاصد الشريعة" [1] .

وتماشيا مع هذا المفهوم الواسع لمآلات الأفعال عند الإمام الشاطبي، فقد جعله أصلا عامّا من أصول النظر الشرعي، وأدرج ضمنه جملة من القواعد التي كانت عند غيره تُعتبر من الأصول القائمة بذاتها، ومن تلك القواعد التي أدرجتها ضمن أصل المآلات قاعدة سدّ الذرائع، باعتبار أنّ الفعل في ذاته قد يكون مشروعا، ولكنّه يكون ذريعة بالمآل إلى ممنوع، فيُمنع هو أيضا اعتبارا لذلك المآل. ومنها قاعدة الحيل التي يؤول فيها على سبيل التحيّل فعل ظاهر الجواز لتشريعه في الأصل تحقيق مصلحة إلى مآل تتحقّق فيه مفسدة. ومنها قاعدة مراعاة الخلاف، باعتبار أنّ الفعل إذا كان حكمه الشرعي المنع بالدليل الراجح والجواز بالدليل المرجوح، فإنّه قبل وقوعه بالفعل يُجرى عليه حكم المنع، ولكن حينما يقع بالفعل فإنّه يُجرى عليه حكم الجواز الذي هو مرجوح؛ وذلك بالنظر إلى أنّه لو أُجري عليه حكم المنع لآل به إلى مفاسد تفوق إجراء حكم الجواز [2] . ومنها قاعدة الاستحسان [3] ، وذلك أنّ طرد القياس بصفة

(1) الشاطبي ـ الموافقات: 5/ 177ـ78

(2) مثاله إجراء حكم الجواز على النكاح الفاسد بعد وقوعه فيما يتعلّق باستحلال المهر وثبوت النسب وإيقاع الميراث.

(3) مثاله العدول عن حكم المنع إلى الجواز في المراطلة الكثيرة في الأنواع المتماثلة التي يحصل فيها التفاضل اليسير لما يؤول إليه تطبيق القياس عليها من مفسدة الحرج الشديد على الأمّة في المعاملات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت