الصفحة 4 من 49

والاستحسان، والحيل، وغيرها من القواعد الفقهية، فكلّها تندرج من حيث المعنى في مدلول مآلات الأفعال على وجه العموم.

1 ـ مدلول مآلات الأفعال:

قد يرد مصطلح مآلات الأفعال بألفاظ أخرى دون أن يتغيّر من المدلول شيء، وذلك مثل: مآلات الأعمال، ومآلات الأحكام، ومآلات الأسباب. ومن حيث اللغة، فإنّ مآلات الأفعال أو الأعمال يُقصد بها ما ينتهي إليه العمل أو الفعل الذي يقوم به الإنسان من أثر في نفسه أو في غيره، كأن ينتهي الزواج إلى تحصين النفس، والشورى إلى ترشيد الرأي، والسرقة إلى الاضطراب وفقدان الأمن. ومآلات الأحكام يقصد بها الأثر الذي يحدثه الحكم الشرعي حينما يجري وفقه فعل مّا من الأفعال، كأن ينتهي حكم المنع في شرب الخمر إلى حفظ العقل، وحكم الوجوب في أداء الزكاة إلى التكافل الاجتماعي، وحكم الإباحة في الكثير من الأعمال إلى التوسعة ورفع الحرج. وعلى نفس المعنى يُحمل لفظ مآلات الأسباب؛ لأنّ المقصود بالأسباب هي الأحكام الشرعية.

وأمّا اعتبار مآلات الأفعال كقاعدة أصوليه، فالمقصود به أنّ الحكم الشرعي إنّما وضع لتحقيق مصلحة للإنسان، وقد شُرّعت الأحكام في طلبها لتلك المصلحة على أساس من العموم الذي يشمل أجناس الأفعال مطلقا عن الزمان والمكان والأعيان؛ ولكنّ الأحكام وإن كانت في الغالب الأعمّ تؤول عند تطبيقها على واقع الأفعال إلى تحقيق المصلحة المبتغاة منها، فإنّها في بعض الأحيان، وفي بعض الأعيان قد لا تؤدّي إلى تلك المصلحة المبتغاة، بل قد تؤدّي إلى نقيضها من المفسدة؛ وذلك لخصوصية تطرأ على ذات تلك الأعيان أو على ظرفها، تخرج بها عن عموم خصائص جنسها التي قُدّر على أساسها الحكم، فإذا تطبيق الحكم عليها يؤول إلى المفسدة من حيث أُريد به تحقيق المصلحة.

وفي هذه الحال فإنّ الفقيه يراعي ذلك المآل الذي آل إليه الفعل عند جريانه على مقتضى الحكم، فيعدل به إلى حكم آخر يتحرّى المصلحة ويتفادى المفسدة. ومثال ذلك أنّ فعل السرقة شرّع له حكم المنع بالحرمة، لما يحقّق ذلك الحكم من مصلحة الأمن على الأموال وما يتبعه من الاجتهاد في كسبها وتنميتها؛ ولكن قد يحيط بأحد الأعيان في أفراد السرقة ظرف خاصّ، كأن يجد الإنسان نفسه على أبواب الهلاك جوعا، ويكون ذلك الظرف سببا في مفسدة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت