الصفحة 3 من 49

الخصوصيات استثني ذلك الفعل من الحكم الشرعي الموضوع له في الأصل، وعدل به إلى حكم آخر يتحقّق به المقصد الشرعي.

وقد كانت هذه القاعدة مناط اجتهاد واسع ودقيق من قِبل فحول الأيمّة والفقهاء، وكانت لها تطبيقات كثيرة في الفقه الإسلامي، أفضت إلى إثراء أحكامه وتوسيع آفاقه. وبتعقّد الحياة الإنسانية الفردية والجماعية، وتشابكها، وتوسّعها يكون لهذه القاعدة المجال الأوسع للاجتهاد، وتكون الحاجة إليها أوكد؛ ذلك لأنّ وجوه الحياة كلّما مالت إلى البساطة اشتدّ التماثل بين أفرادها، فتتناقص خصوصياتها المفرّقة بينها، وعلى العكس من ذلك كلّما مالت إلى التعقيد اشتدّ الاختلاف لتكاثر الخصوصيات المفرّقة ممّا يفضي إلى اختلاف المآلات، فيكون للاستثناء المبني على تلك الخصوصيات وما تفضي إليه من اختلاف المآلات مجالا واسعا في النظر الفقهي.

ولعلّ أوضاع المسلمين حينما يكونون أقلّية في مجتمع غير مسلم تعدّ من أشدّ الأوضاع تعقيدا، إذ هي أوضاع اجتمع فيها التعقيد والتشابك في الحياة المعاصرة بصفة عامّة، مع التعقيد والتشابك والمضاعفات الناتجة عن وضع المسلمين كأقلّية في مجتمع غير إسلامي، وتحت سلطان قانون غير القانون الإسلامي، وتحت ظلّ حكم غير إسلامي. إنّ هذه الأوضاع من شأنها أن تُكسب أحوالا كثيرة من أحوال المسلمين خصوصيات ذاتية وموضوعية تؤول بها لو طبّقت عليها الأحكام الشرعية العامّة إلى مآلات تخالف مقاصد تلك الأحكام، فيكون إذن لقاعدة مآلات الأفعال دور اجتهادي مهمّ في فقه الأقلّيات المسلمة، بل لعلّها تكون من أهمّ القواعد الأصولية التي ينبغي تحكيمها في ذلك الفقه.

المبحث الأوّل ـ مآلات الأفعال:

لم يكن مصطلح مآلات الأفعال كثير الرواج في التراث الفقهي الأصولي، ولعلّ الإمام الشاطبي كان من أكثر من استعمله من بين الفقهاء والأصوليين [1] ، إلاّ أنّ مضمون هذا الأصل الفقهي كان كثير التداول في ذلك التراث، كما كان كثير الاستعمال من قِبل الفقهاء والمجتهدين، وذلك ضمن قواعد وأصول تحمل عناوين أخرى من مثل: سدّ الذرائع،

(1) عند التفتيش على المواقع التي استُعمل فيها لفظ"مآلات الأفعال"و"مآلات الأحكام"في القرص المدمج المشتمل على برنامج"مكتبة الفقه وأصوله"المشتمل على المئات من المصادر الأصولية والفقهية لم يظهر هذا المصطلح إلاّ في موقعين كلّ منهما في كتاب الموافقات للشاطبي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت