بناء على الظنّ إلى أحكام أخرى؛ لأنّ هذا الظّنّ في الأيلولة قد يبلغ أحيانا من القوّة ما يقترب بها من اليقين، وإذا لم يبلغ تلك الدرجة فإنّ الظّنّ الغالب يُلحق به، فضلا عن أنّ أحكام الشريعة هي في أغلبها قائمة على الظنّ.
ب ـ حجّة التنصيص التطبيقي: وتتمثّل فيما جاء من نصوص تفيد في مسائل مخصوصة مشروعية العدول عن الحكم الذي وضع لأفعال معيّنة في الأصل إلى حكم آخر، مراعاة في ذلك للمآل المخالف لمقصد الحكم الأصلي الذي تؤول إليه لو أُجريت عليه. ومن أمثلة ذلك قوله تعالى:"ولاَ تَسُبُّوا الذين يدعون من دون الله فيَسُبُّوا اللهَ عدوًا بغير علم" (الأنعام/108) ، وقوله صلّى الله عليه وسلّم:"لولا قومُك حديثٌ عهدُهم بكفر لأسّست البيت على قواعد إبراهيم" [1] ، وقوله في تعليل انصرافه عن قتل المنافقين:"أخاف أن يتحدّث الناس أنّ محمّدا يقتل أصحابه" [2] .
ففي هذه الأمثلة عدول نبوي بصفة عملية عن إجراء الحكم المتعيّن في الأصل على فعل تأسيس البيت على قواعد إبراهيم، وفعل قتل المنافقين، إلى حكم الامتناع عن ذلك، لما يؤول إليه إجراء الحكم الأصلي من مفسدة فيهما هي تلاعب الناس ببيت الله وانتزاع هيبته من نفوسهم، وإشاعة الخوف في نفوس أتباع الدين وتنفيرهم منه، خلافا لما شرّع من أجله من مصلحة هي الإعلاء من مقام البيت وربطه بذكر مؤسّسه إبراهيم، والتخلّص من الضرر الفادح الذي يحدثه المنافقون بالمسلمين، وفي هذا العدول النبوي عن الحكم الأصلي إلى حكم آخر بسبب المآل حجّة على أنّ مآلات الأفعال أصل معتبر في التشريع، فتكون إذن أصلا معتبرا من أصول الاجتهاد.
ج ـ حجّة اعتبار المقاصد: ليس من خلاف في أنّ أحكام الشريعة شرّعت من أجل مقاصد راجعة إلى العباد جماعها تحقيق المصلحة، وهو مضمون قوله تعالى:"وما أرْسَلْناكَ إلاَّ رحمَةً للعالَمين" (الأنبياء/107) ، فكلّ حكم شرعي علّة تشريعه هي تحقيق مقصده الذي من أجله شرّع مهما يكن عليه ذلك المقصد من درجة الظهور والخفاء.
(1) أخرج البخاري نحوه ـ كتاب الحج: باب فضل مكّة وبنيانها.
(2) أخرجه البخاري ـ كتاب المناقب: باب ما ينهى من دعوى الجاهلية.