منهما غير محقّق لمقصد ذلك الحكم الشرعي. أمّا أحد المآلين، فهو أنّ المسلم قد يكون غير ملزم بالقانون أن يدخل تحت معاملة مّا من المعاملات المخالفة للجكم الشرعي، ولكنّه يجد نفسه في حال اضطرار لذلك، فربّما انسدّت أمامه سبل العمل، فلا يجد إلاّ العمل في مواطن تروج فيها المحظورات بحكم الشريعة، وربّما انسدّت أمامه سبل التمويل لتحقيق مطلب ضروري كالسكن إلاّ سبل الاقتراض الربوي، وحينئذ إن امتنع عن هذه المعاملات تطبيقا للحكم الشرعي فإنّه سيجد نفسه في حرج شديد يتعلّق بضرورات الحياة.
وأمّا المآل الثاني، فهو أنّ الامتناع عن كلّ المعاملات المحظورة شرعا قد تفضي بالمسلم إلى التخلّي عن الاستفادة ممّا يوفّره المجتمع الذي يعيش فيه من الامكانيات الكثيرة التي بنيت على محظورات شرعية، وخاصّة فيما يتعلّق بالتعامل المالي، فإذا هو ينخرط في المجتمع بما يقدّم له من أعمال قد تكون أحيانا بالغة الأهمّية مثلما تقدّمه العقول المهاجرة، وما يدفعه من الضرائب، وما يبذله أحيانا من تضحيات حتى بالنفس عند التجنيد العسكري، ولكنّه لا ينخرط فيه حين الاستفادة ممّا يقدّمه هذا المجتمع لأفراده من قروض وتسهيلات مختلفة، وهذا الانخراط في الغرم والانسحاب من الغنم من شأنه أن يضعف وضعية المسلمين كأفراد، وبالتالي وضعيتهم كجماعة، إذ هم لا يستفيدون ممّا يوفّره المجتمع من إمكانيات، وهو ما يمكن أن يؤدّي إلى أن تبقى الأقلّية المسلمة أقلّية هامشية، لا تتطوّر ولا تقوى في أوضاعها الاجتماعية والاقتصادية والتعليمية.
إنّ المجتمعات الغربية بُنيت على نظام معيّن له أسسه وقوانينه وتراتيبه، ومن خلال ذلك النظام يتمّ التفاعل الاجتماعي العامّ بين الأفراد والمؤسّسات ومجمل المكوّنات الاجتماعية، ومن خلاله تتمّ حركة التطوّر والنموّ، إذ في نطاقه وبمقتضيات قوانيه تتمّ حركة الأخذ والعطاء، والإفادة والاستفادة تبادلا بين الأفراد ومجمل المجتمع، ومن بقي خارج ذلك النظام، غير منخرط فيه بالأخذ والعطاء، فإنّه سيبقى على هامش المجتمع، وسوف لن يستطيع أن يستفيد منه ما يقوى به ويتطوّر، فيكون إذن ذلك الضعيف الذي لا يؤثّر في المجتمع شيئا، إذ أسباب القوّة مرصودة ضمن نظامه، ولا تُكتسب إلاّ من خلال ذلك النظام.
إنّ تطبيق أحكام الشريعة على الأقلّية المسلمة في قسم غير يسير من المجال الاجتماعي والاقتصادي قد تنتهي إذن في بعض الأحيان بحكم ما تقدّم بيانه إلى حرج شديد يلحق الأفراد