المسلمين أو على فئة قليلة منهم بالنسبة لأكثرية من المجتمع الذي يعيشون فيه غير ملزمة بتطبيق هذا المنع. وقد كانت الفتوى التي أصدرها المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث بجواز الاقتراض الربوي للأقلّيات المسلمة لشراء المساكن مرعيّا فيها هذا الأصل، إذ جاء في مبرّراتها القول:"إنّ المسلم غير مكلّف شرعا أن يقيم أحكام الشرع المدنية والمالية والسياسية ونحوها ممّا يتعلّق بالنظام العامّ في مجتمع لا يؤمن بالإسلام؛ لأنّ هذا ليس في وسعه، ولا يكلّف الله نفسا إلاّ وسعها، وتحريم الربا هو من هذه الأحكام التي تتعلّق بهويّة المجتمع، وفلسفة الدولة، واتّجاهها الاجتماعي والاقتصادي" [1] .
يتبيّن إذن أنّ خصوصية الأقلّية في الأقلّيات المسلمة هي في ذاتها تمثّل عاملا من العوامل المؤثّرة في أيلولة بعض الأحكام الشرعية، إذ تلك الأحكام لمّا تكون متّجهة بالتكليف إلى الهيئة الاجتماعية العامّة، أو إلى الأفراد باعتبارهم مندرجين في تلك الهيئة، أو إلى الدولة باعتبارها ممثّلة للمجتمع، فإنّ مقصدها من المصلحة يكون مبنيا على ذلك المعنى من التطبيقي الجماعي، وإذن فإنّ التطبيق الجزئيّ على بعض الأفراد، أو على فئة قليلة من المجتمع سوف لا يكون منتهيا إلى تحقيق مقصدها، بل ربّما كان في بعض الحالات مفضيا إلى إلحاق ضرر بمن تُطبّق عليهم تلك الأحكام من الأفراد حينما لا يكون التطبيق عامّا [2] . وهذا العامل المؤثّر في أيلولة الأفعال ينبغي أن يأخذه المجتهد في فقه الأقلّيات بعين الاعتبار في اجتهاده.
ب ـ التأثير بالسيادة القانونية: الأقلّيات المسلمة تعيش في مجتمعات يسود فيها قانون غير إسلامي، وهو قانون في كثير من فصوله يتناقض مع مقتضيات الأحكام الشرعية سواء في تنظيم الحياة الفردية أو الجماعية، ومن تلك القوانين ما يتعلّق بأحوال الأسرة كالزواج والطلاق والحضانة، ومنها ما يتعلّق بالعلاقات الاجتماعية كالتأمينات بمختلف أنواعها، ومنها ما يتعلّق بالحياة الاقتصادية كالمعاملات البنكية وما يتعلّق بها من المعاملات.
(1) فتاوى المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث ـ المجموعة الثانية: 31 (نسخة مخطوطة)
(2) ممّا جاء بهذا الصدد في مبرّرات فتوى المجلس الأوروبي الآنفة الذكر أنّ المسلم في دار غير المسلمين"إذا لم يتعامل بهذه العقود التي يتراضونها بينهم [ومنها العقد الربوي] سيضطرّ إلى أن يعطي ما يُطلب منه، ولا يأخذ مقابله، فهو ينفّذ هذه القوانين والعقود فيما يكون عليه من مغارم، ولا ينفّذها فيما يكون عليه من مغانم، فعليه الغرم دائما وليس له الغنم، وبهذا يظلّ المسلم أبدا مظلوما ماليا بسبب التزامه بالإسلام، والإسلام لا يقصد أبدا إلى أن يظلم المسلم بالتزامه به" (نفس المرجع والصفحة) .