بل إنّ بعض الأحكام الشرعية ارتبط تشريعها أساسا بالتطبيق الجماعي، على معنى أنّها فرضت على الجماعة المسلمة ولم تفرض على الأفراد من المسلمين، فإذا ما تيسّر تطبيقها من قِبل الجماعة تعيّن وجوبها، وإذا ما لم يتيسّر ذلك لم تكن واجبة في حقّ الأفراد، فيرتبط إذن مقصدها بالتطبيق الجماعي على وجه الحصر، وذلك مثل تطبيق الحدود الشرعية، فإنّه مفروض على الجماعة ممثّلة في السلطة الحاكمة، فإذا ما لم تتوفّر تلك السلطة سقط التطبيق عن أفراد المسلمين.
وبناء على ذلك فإنّ الأقلّية المسلمة هي باعتبار خصوصية أقلّيتها من حيث ذاتها ستكون عاملا مؤثّرا على مآلات الأفعال؛ ذلك لأنّ بعض الأحكام الشرعية ذات البعد الجماعي في التكليف إذا ما طُبّقت على هذه الأقلّية دون أن يكون تطبيقها عامّا في المجتمع الذي تعيش فيه وترتبط به ارتباطا وثيقا في معاملاتها ـ إذ ذلك غير ممكن وغير مطلوب ـ فإنّ ذلك التطبيق الذي يتمّ في حقّ أقلّية من أفراد المجتمع وهي الأقلّية المسلمة سوف لن يتحقّق منه المقصد المطلوب، إذ هو مقصد مرتبط بالتطبيق الجماعي، فتكون إذن خصوصية الأقلّية من حيث ذاتها عاملا مؤثّرا في مآلات الأحكام.
ومن أمثلة ذلك تطبيق حكم المنع في التعامل الربوي، فهذا التعامل إنّما حرّمه الشارع لما يفضي إليه من مفاسد جمّة في الاقتصاد العامّ للمجتمع الذي يشيع فيه، ممّا يعود بالضرر على مجمل العلاقات بين الناس في بعدها الاقتصادي والاجتماعي، من حيف في توزيع الثروة، ومن أكل للأموال بالباطل، ممّا ينشأ عنه الكثير من أسباب الفرقة الاجتماعية، فإذا ما طُبّق هذا الحكم بالمنع على المجتمع فصار تطبيق ذلك نظاما عامّا له تحقّق المقصد منه باتّقاء عواقبه الفاسدة، وأمّا لو طُبّق على أفراد من المجتمع أو على فئة قليلة منه فإنّ ذلك التطبيق سوف لن يحقّق المقصد الذي هو ذو طابع اجتماعي عامّ.
ولعلّ ما ذهب إليه بعض الفقهاء الأحناف من تجويز للتعامل الربوي في الديار غير الإسلامية هو اجتهاد مبنيّ على هذا الملحظ [1] ، إذ في هذه الديار التي لا يمكن فيها التطبيق الشامل لمنع التعامل الربوي لا يحصل فيها المقصد من ذلك المنع إذا ما طُبّق على أفراد من
(1) راجع ذلك في: الجصاص ـ مختصر اختلاف العلماء: 2، والسرخسي ـ المبسوط: 14/ 56، وابن عابدين ـ حاشية ردّ المحتار: 186، وابن الهمام ـ فتح القدير: 300