الصفحة 36 من 49

يعالج في الأكثر أحوال الواقع، ولم تكن الأقلّيات المسلمة في عهد الازدهار الفقهي واقعا ذا شأن بحيث تُعالج أوضاعه باجتهاد فقهي واسع، فلمّا أصبحت تلك الأقلّيات واقعا ملحوظا كما هو حال المسلمين الباقين بالأندلس بعد سقوطها، كان الفقه الإسلامي قد تراجع مدّه، فلم يكن له من قوّة الدفع ما يعالج به ذلك الوضع، وهذه المحصّلة من شأنها أن تجعل الاجتهاد في وضع الأقلّيات أكثر صعوبة، وأبعد موردا.

وفيما يتعلّق بموضوع الحال الذي هو كيفية استعمال مبدإ اعتبار المآلات مبدأ اجتهاديا لمعالجة أحوال الأقلّيات، فلعلّ أوّل ما ينبغي النظر فيه من ذلك هو تبيّن كيف أنّ خصوصيات الأقلّية المسلمة تؤثّر على مآلات الأفعال، فتجعل بعض الأحكام الشرعية لا تتحقّق مقاصدها عند تطبيقها على أحوال الأقلّيات، لما يقتضي ذلك من اعتبار لهذه المآلات فتقدّر إذن في حقّها أحكام أخرى من شأنها تحقيق مقاصدها. فكيف تؤثّر خصوصيات الأقلّيات المسلمة في مآلات الأفعال لتقدّر لها الأحكام المناسبة؟

أ ـ التأثير بخصوصية الأقلّية: إنّ أحكام الشريعة تتفاوت من حيث توجّهها بالتكليف إلى المسلمين باعتبارهم أفرادا، أو توجّهها إليهم باعتبارهم جماعة، وقد ارتبطت مقاصدها بحسب ذلك التوجّه التكليفي فيما إذا كان فرديا أو جماعيا. فمنها ما شرّع ليعمل به كلّ مسلم على سبيل العينية، وبني المقصد منه على ذلك التطبيق العيني، وذلك مثل أحكام العبادات وأحكام المنع في السرقة والخمر والزنا وأمثالها، فأيّما تطبيق فردي لهذه الأحكام تحصل منه المصلحة التي وضع من أجلها في ذات الأفراد المطبّقين لها، وفي المجتمع الذي يعيشون فيه.

ومن الأحكام ما شرّع ليعمل به كلّ فرد من أفراد المسلمين ولكن في نطاق تطبيق جماعي من قِبل الهيئة العامّة للمجتمع، فارتبط مقصده بقدر من الأقدار بذلك التطبيق الجماعي، بحيث لو أصبح نظاما عامّا يوجّه حياة الجماعة تحقّقت منه المصلحة المقصودة، أمّا لو عمل به قلّة من الأفراد دون الهيئة الاجتماعية العامّة فإنّ مقصده لا يتحقّق على الوجه الذي أريد منه، وهو المصلحة الجماعية العامّة، وإن كان تطبيقه الفردي قد لا يخلو من بعض المصلحة التي شرّع من أجلها. وهذا النوع من الأحكام هو في الغالب ذلك الذي يعالج تلك العلاقات المتشابكة بين أفراد المجتمع بحيث لا يظهر أثرها فيها بيّنا إلاّ إذا أصبحت نظاما عامّا للجماعة، وذلك مثل بعض المعاملات الاقتصادية، ومعاملات التكافل الاجتماعي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت