3 ـ تأثير خصوصيات الأقلّيات على المآلات:
التشريع الإسلامي مبنيّ في عمومه على أساس من الوضع العادي لوجود المسلمين أمّة خاضعة لسلطان هذا التشريع؛ ولذلك فإنّ الخطاب التكليفي الوارد في القرآن والسنّة يرد موجّها في أغلب الأحوال بصيغة الجمع التي تعني جماعة المسلمين أو الأمّة الإسلامية بما يحمله ذلك من معنى الانتظام وفق قانون جامع هو القانون الإسلامي، وذلك في مثل قوله تعالى:"ولا تأكُلُوا أموالكم بينَكم بالباطلِ وتُدلوا بها إلى الحُكَّامِ" (البقرة/188) ، وقوله تعالى:"والسارقُ والسارقَةُ فاقطَعُوا أَيدِيَهما" (المائدة/38) ، فالحكم بمنع أكل الأموال بالباطل، والحكم بعقوبة السرقة وُجّه الخطاب التكليفي بهما إلى المسلمين باعتبارهم أمّة تطبّق فيهم هذه الأحكام، وليس باعتبارهم أفرادا لا يخضعون لسلطة الأمّة [1] .
ويعني هذا المعنى أنّ المقاصد التي وضعت من أجلها هذه الأحكام هي مقاصد مبنيّة في إمكانية تحقّها وإتيانها ثمارها من المصالح على اعتبار ذلك المعنى الجماعي في التكليف الذي يقوم على سيادة القانون الإسلامي، فبما أنّها أحكام تتعلّق بوضع معيّن للمسلمين هو وضع الجماعة التي يحكمها القانون الإسلامي، فإنّ المقصد منه قُدّر على ذلك الأساس، فيكون إذن متحقّقا في حال تطبيق الحكم الموضوع له على ذلك الوضع، فإذا ما طُبّق على وضع آخر فإنّ المقصد قد لا يكون له تحقّق.
إنّ الخصوصيات التي شرحناها آنفا خصوصياتٍ ممبّزة لوضع الأقلّيات المسلمة من شأنها أن تجعل تلك الأقلّيات وهي في وضعها الخاصّ لا تتحقّق فيها مقاصد كثير من الأحكام التي خُوطبت بها الأمّة في وضعها أُمّةً قائمة، إذ تلك الخصوصيات تكون في بعض الأحيان عائقا دون تحقّق المقاصد المبتغاة من أحكامها، وذلك ما ينبغي أن يكون مناطا للاجتهاد الفقهي ذا أهمّية بالغة في المعالجة الفقهية لأحوال الأقلّيات، وهو ما من شأنه أن يثرى به فقه الأقلّيات، ويتطوّ، فيساهم في إنضاج مسيرته وبناء هيكله.
ليس في التشريع الإسلامي من النصوص المباشرة ما هو متعلّق بأحوال الأقلّيات سوي القليل، وليس في الفقه الإسلامي ما يتعلّق بذلك أيضا إلاّ ما هو قليل أيضا؛ فالفقه إنّما كان
(1) تندرج ضمن هذا المعنى الأحكام ذات الصبغة الجماعية، وهي أكثر الأحكام الإسلامية، وذلك لا يمنع أنّ أحكاما كثيرة يخاطب المسلم بها الفرد في أيّ وضع كان فيه، وخاصّة تلك المتعلّقة بالعبادات والمبادئ الأخلاقية.