الصفحة 34 من 49

الحضاري، بل أولئك الذين نشأوا بهذه البلاد من الجيل الثاني والثالث لم يكونوا كذلك أيضا، وإنّما هم يحملون أقدارا من ذلك الميراث منحدرا إليهم من الانتماء الأسري ومن الانتماء الحضاري العامّ، ومهما بدا في الظاهر أحيانا من ملامح التخلّص من هذا الميراث كما هو متمثّل في بعض مظاهر التنصّل من مقتضيات ذلك الميراث الحضاري فإنّه ليس إلاّ مظاهر سطحية أمّا الضمير فهو مختزن لذلك الميراث.

وبالإضافة إلى ذلك فإنّ هذا الميراث الحضاري الذي تحمله الأقلّية المسلمة ليس ميراثا طبيعته الانكفاء والسكون، وإنّما طبيعته الظهور والعرض؛ وذلك لما انبنى عليه من أصول عقدية توجب على حاملها في ذاتها وحامل مقتضياتها الحضارية أن يعرّف الناس بها، وأن يعرضها عليهم عرض بيان واختيار، عسى أن يجدوا فيها من الخير ما يقنعهم فيأخذون به، فيعمّ إذن نفعه، ولا يبقى حكرا على أصحابه، وذلك هو معنى الشهادة على الناس التي تضمّنها قوله تعالى:"وكذلك جعلناكم أمّة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا" (البقرة/ 143) .

ومن جهة أخرى فإنّ هذه الأقلّية المسلمة ليس وجودها بمهجرها وجود انبتات عن الجسم الأكبر لأمّتها، وإنّما هو وجود انتماء إليها وتواصل معها مهما شطّ بها المكان، ونأى بها المقام، ومهما اتّخذت لها من مجتمعاتها الجديدة موطن تفاعل واستقرار، ويقتضي هذا الانتماء والتواصل بمقتضى امتزاجها بالحضارة الغربية امتزاج عيش يومي، ووقوفها عليها وقوفا عن كثب أن تكون أيضا واسطة اقتباس لما هو خير في هذه الحضارة في وجوهها المادّية والمعنوية لتبلّغها إلى أمّتها الإسلامية قصد تعريفها بها، والانتفاع منها في بناء نهضتها.

يتحصّل من ذلك إذن أنّ الأقلّية المسلمة في أيّ موقع وجدت فيه بصفة عامّة، وفي موقعها بالبلاد الغربية بصفة خاصّة تمثّل حلقة وصل حضاري بين حضارتين، ومن مهامّها باعتبار ذلك الموقع أن تقوم بدور تنقل فيه المنافع النظرية من قيم ومبادئ تشرح الوجود وتبيّن الحياة، والمنافع العملية في وجوهها المختلفة من طرف إلى آخر، وأن تعمل على تأكيد معنى التعارف الحضاري بين العالم الإسلامي والعالم الغربي، لتكون سببا من أسباب العمل على البناء الحضاري المشترك لما فيه خير الإنسان، وبهذا الموقع الذي هي فيه، وهذا الدور المناط بعهدتها تكتسب خصوصية ينبغي اعتبارها في فقه الأقلّيات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت