الصفحة 28 من 49

فيها من مناسبة لبعض أوضاع الأقلّية المسلمة تتحقّق بها المصلحة، فيعالج بها تلك الأوضاع، في غير اعتبار لمذهبية ضيّقة، أو عصبيّة مفوّتة للمصلحة، ما دام كلّ ذلك مستندا إلى أصل في الدين معتبر.

ومن حيث الأصول والقواعد، يعمد هذا الفقه إلى استعمال القواعد الفقهية والمبادئ الأصولية ما يُرى منها أكثر فائدة في توفيق أحوال الأقلّية إلى حكم الشرع، ويوجّهها توجيها أوسع في سبيل تلك الغاية، وربّما استروح من مقاصد الشريعة ما يستنبط به قواعد اجتهادية لم تكن معهودة في الفقه الموروث، فيدخلها في دائرة الاستخدام الاجتهادي في هذا الفقه، أو يعمد إلى قواعد كانت معلومة ولكنّ استعمالها ظلّ محدودا جدّا، فينشّط العمل بها في استخدام واسع تقتضيه طبيعة أوضاع الأقلّيات المسلمة، ليتحصّل من ذلك كلّه فقه للأقلّيات ينبني على الفقه الإسلامي المأثور، ويتّجه بخصوصية في هذا الشأن، يضيف بها فقها جديدا يكون كفيلا بمعالجة هذا الوضع الجديد [1] .

ونحسب أنّ من بين أهمّ ما يمكن أن يُستفاد منه في فقه الأقلّيات من الأصول الفقهية أصل اعتبار المآلات؛ وذلك لأنّ هذا الأصل كما مرّت الإشارة إليه مبنيّ على تعديل الحكم الشرعي المتعلّق بفعل من الأفعال إذا لم يكن محقّقا لمقصده فيه إلى حكم آخر يحقّق فيه مقصده، وقد ذكرنا آنفا أنّ الحكم الشرعي إنّما يتخلّف تحقّق مقصده عند إجراء الفعل عليه بأسباب تعود في الغالب إلى خصوصية تطرأ على ذلك الفعل تكون مانعة من تحقيق الحكم لمقصده فيه. وأحوال الأقلّيات المسلمة هي أحوال مشبعة بالخصوصيات المتنوّعة بالنسبة لأحوال المسلمين في أوضاعهم العادية، وذلك ما يجعل معالجتها بالأحكام الشرعية الأصلية الموضوعة لأجناسها كثيرة الأيلولة فيها إلى غير مقاصدها، ممّا يحتّم أن تُعالج بشكل موسّع بأحكام تُبنى على اعتبار المآلات لتحقيق مقاصد الشريعة. ويتبيّن هذا الأمر بوضوح من خلال تبيان وجوه الخصوصية في أحوال الأقلّيات المسلمة، ثمّ بتبيان وجوه تأثير تلك الخصوصيات في المآلات لتكون معتبَرا في المعالجة الفقهية، ومن ذلك يتّضح الدور الكبير لهذا الأصل الفقهي في إثراء فقه الأقلّيات وتنميته وتطويره.

2 ـ خصوصية أوضاع الأقلّيات:

(1) راجع في ذلك: طه جابر العلواني ـ مدخل إلى فقه الأقلّيات (بحث مخطوط) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت