الأقلّيات المسلمة بالغرب على وجه الخصوص تكوّنت في أساسها بموجة من الهجرات من البلاد الإسلامية عبر مراحل متتالية من القرن العشرين، ولم يكن المنضمّون إليهم من الذين أسلموا من أهل الغرب إلاّ أعدادا قليلة بالنسبة لعدد المهاجرين. وقد كان أغلب هؤلاء المهاجرين إلى أوروبا على وجه الخصوص من طبقة العمّال، ثمّ انضمّ إلى العمّال طلبة العلم، ثمّ انضمّ إليهم المضطهدون السياسيون، ثمّ انضمّ إليهم أعداد من العقول المهاجرة، وبالتراكم الزمني أصبح لهؤلاء المهاجرين أبناء وأحفاد شكّلوا ما يُعرف بالجيل الثاني وأصبح الآن الجيل الثالث قيد التشكّل.
إنّ القاعدة العريضة للأقلّيات المسلمة بالغرب هي قاعدة مهاجرة بدوافع الحاجة، إمّا طلبا للرزق، أو طلبا للأمن، أو طلبا للعلم، أو طلبا للظروف المناسبة للبحث العلمي، فكان هذا الوجود الإسلامي بالغرب هو في عمومه وجود حاجة لا وجود اختيار، وليست فكرة المواطنة التي تشير إلى ضرب من الاختيار إلاّ تطوّرا لا يتجاوز عمره سنوات قليلة، وهي فكرة لم يعتنقها بعد القسم الأكبر من الأقلّية المسلمة بالغرب. وبالإضافة إلى ذلك فإنّ هذه الأقلّية جاءت تحمل معها هويّتها الثقافية، وقد ظلّت محافظة عليها بشكل أو بآخر من أشكال المحافظة، وهي بذلك وجدت نفسها في خضمّ ثقافة غربية مغايرة لثقافتها، بل مناقضة لها في بعض مفاصلها الهامّة، وليست هذه الهويّة في مستكنّ المسلم هي مجرّد هويّة انتماء شخصي، بل هي أيضا هويّة تعريف وتبليغ وعرض في بعدها الديني والحضاري. ومن هذه العناصر المتعدّدة في وجود الأقلّية المسلمة بالغرب تكوّنت الخصوصيات العديدة، التي يمكن أن نبرز أهمّها فيما يلي:
أ ـ خصوصية الضعف: تتّصف الأقلّيات المسلمة بصفة عامّة بصفة الضعف التي لا تكاد تفارق أيّة أقلّية إسلامية في العالم، وإذا كانت حال الضعف حالا ملازمة للأكثر من الأقلّيات في العالم، إلاّ أنّها ليست حالا لجميعها، بل من الأقلّيات من هي على حال من القوّة تفوق قوّة الأكثرية التي تعيش بينها، ولكنّ الأقلّيات المسلمة تفوق في حال ضعفها الأكثر من الأقلّيات في العالم لأسباب متعدّدة سنذكر بعضها لاحقا.
ويبدو هذا الضعف أوّل ما يبدو في الضعف النفسي، فهذه الأقلّيات هي في أغلبها منتقلة من أوساطها إلإسلامية إلى وسط ثقافي واجتماعي وحضاري غريب عنها، وهذه النقلة