وإذا كان الأمر كذلك فإنّ مقصد الفاعل قد يكون في حالات كثيرة مؤشّرا يُستدلّ به على أيلولة الفعل إلى غير ما وضع له من حكمة، وحينئذ يُعتبر هذا المآل في إمضاء الحكم اللائق به. إلاّ أنّ هذا الحكم إذا كان فقها اتّجه إلى الفاعل في خاصّة نفسه حين يكون قصده مضمرا غير ظاهر، فمن تزوّج بقصد مضمر للتحليل اتّجه إلى فعله حكم الحرمة فباء بالإثم، وليس يتّجه إليه المنع في الخارج بالقضاء، وأمّا إذا كان القصد ظاهرا بالقرائن الكافية فإنّ المنع يتّجه إليه فيُحظر وقوعه من قِبل من بيده الحظر. ومن هذا الباب ما يُعلم من مآلات الأفعال فيما يُعرف بالحيل، إذ هي ليست إلاّ مبنية على مقاصد للمتحيّل مخالفة لمقاصد الشارع، فيُحكم عليها إذن بالمنع لما يُعلم من أيلولتها بدلالة قصد الفاعل لها [1] .
إنّ هذه المسالك في التعرّف على أيلولة الأفعال مسبقا بمعالجتها بالأحكام المناسبة ليست مسالك يقينيّة كلّها، وإنّما هي قد تنتج يقينا، وقد تنتج ظنّا يقوى أويضعف بتفاوت بينها، وبتفاوت في الأحوال المندرجة ضمن الواحد منها، وعلى الناظر فيها أن يُحسن النظر وأن يتحرّى فيه غاية التحرّي، فإذا ما انقدح له يقين أوظنّ غالب بأيّ واحد منها بمآل من مآلات الأفعال المنظور فيها اعتبر ذلك المآل وأمضى الحكم الشرعي المناسب له، فهي إذن مسالك اجتهادية تحتاج إلى أقدار كبيرة من التحقيق والتثبّت، وهي على أيّة حال وسائل مساعدة على استكشاف المآلات [2] .
المبحث الثاني ـ دور اعتبار المآلات في فقه الأقلّيات:
إنّ هذا الأصل الاجتهادي أصل اعتبار المآلات له تطبيقات واسعة في مجمل أبواب التشريع، وقد استعمله الأيمّة المجتهدون في فروعه المختلفة، وفي أبواب الفقه المتعدّدة، وحتى من لم يكن معترفا به باعتبار عنوانه فقد استعمله في بعض تطبيقاته تحت أسماء أخرى؛ إلاّ أنّ الاستعمال الاجتهادي لهذا الأصل يكون أكثر ما يكون في الحالات ذات الخصوصية، وفي الظروف الاستثنائية، سواء تعلّق ذلك بأحوال وظروف فرد أو مجموعة أو واقعة معيّنة أو ظاهرة عامّة، فكلّما تحقّقت الخصوصية في أيّ مظهر من مظاهرها كان لأصل اعتبار المآل مجال
(1) راجع في الحيل وأحكامها: الشاطبي ـ الموافقات: 5/ 187.، وابن القيّم: إعلام الموقّعين: 3/ 126.
(2) ضبط بعض الأصوليين في باب سدّ الذرائع بعض القواعد لتبيّن مدى ما تفضي إليه الذريعة من مآل فيحكم بسدّها، ولكنّها في جملتها نحت منحى العموم، فبقي الأمر محتاجا إلى مزيد من الدرس للتوصّل إلى قواعد أكثر دقّة في هذا الشأن = =راجع في ذلك: الشاطبي ـ الموافقات: وابن القيّم ـ إعلام الموقّعين:3/ 109، وأبو زهرة ـ أصول الفقه: 290، ووهبة الزحيلي ـ أصول الفقه الإسلامي: 2/ 884.