ونحسب أنّ هذا المسلك في الكشف عن المآلات قد استعمله المجتهدون قديما من حيث أصله العامّ، فعمر بن الخطّاب رضي الله عنه أجّل العمل بتطبيق حدّ السرقة في عام المجاعة، وربّما كان ممّا حمله على ذلك استكشافه للمآل الذي سيؤول إليه إمضاء هذا الحكم، وهو مآل لا يتحقّق فيه مقصده، إذ المقصد منه هو الارتداع لاستتباب الأمن بين الناس، ولكن هذا الارتداع لا يحصل في النفوس إذا ما مسّها حرّ الجوع، إذ هو بمقتضى العادة الطبيعية في الإنسان عامل غلاّب يطغى على نازعة النفس اللّوّامة إلى الارتداع بالعقوبة، فهذا القانون الطبيعي في النفس البشرية لعلّه كان من المسالك التي استكشف بها عمر بن الخطاب مآل حدّ العقوبة عام المجاعة، فاعتبر ذلك المآل وأجّل تطبيق الحدّ. وبين يدي المجتهدين اليوم من القواعد والقوانين في طبائع الإنسان مادّة ثريّة ما أحراهم بأن يستثمروها في الكشف عن مآلات الأفعال لإجراء الأحكام المناسبة المحقّقة للمصالح.
ـ مسلك العادات العرفية: قد تكتسب المجتمعات في التعامل بين أفرادها عادات وأعرافا وتقاليد يتواضعون عليها الناس، وتصبح بينهم كالقواعد والقوانين التي تجري عليها التصرّفات، وتُحاكم إليها المواقف. وهذه العادات العرفية قد تكون في بعض الأحيان سببا في أيلولة بعض الأحكام الشرعية عند تطبيقها إلى مآل لا يتحقّق به مقصدها، في حين أنّ ذلك المقصد يتحقّق في حال من ليس من عاداتهم تلك العادة.
وبناء على ذلك فإنّه يمكن للفقيه المجتهد أن يستخدم علمه بالعادات والأعراف ليستبين منها بعض مآلات ما يحكم به من أحكام الشرع، فإذا تبيّن له أنّ عادة مّا من عادات القوم ربّما أدّت بيقين أو بظنّ غالب إلى أيلولة حكم من الأحكام أيلولة لا يتحقّق بها مقصده، اتّخذ من ذلك الانكشاف للمآل بمسلك العادة العرفية طريقا للحكم بحكم آخر يؤول إلى تحقيق المصلحة.
ولعلّ من أصول هذا المسلك في استكشاف المآل ما جاء في قوله تعالى:"ولا تسبّوا الذين يدعون من دون الله فيسبّوا الله عدوا بغير علم" (الأنعام/108) ، فمن الأعراف المتفشّية في المجتمعات أنّ من يُسبّ له من هو أثير عنده من إله معبود أو أب أو أمّ فإنّه يردّ على السّابّ بأن يسبّ له نظير ذلك الأثير، فلعلّ هذه العادة كانت متفشّية عند أهل الجاهلية، كما قد توحي به بعض الروايات في سبب نزول هذه الآية من أنّ المشركين قالوا للنبيّ صلّى الله عليه