الأحداث والوقائع، ثمّ يُبنى من كلّ ذلك بطرق علمية تصوّر لأيلولة الأوضاع في شتّى مجالات الحياة.
إنّ هذا العلم لئن كانت نتائجه غير قطعية، إلاّ أنّه كثيرا ما ينتهي إلى تلك النتائج بالظّنّ الغالب؛ ولذلك فإنّه تُبنى عليه اليوم المخطّطات المستقبلية في الاقتصاد والسياسة والاجتماع، فيمكن إذن استثماره مسلكا في معرفة مآلات الأفعال، تحرّيا لما هو من قواعده ينتج نتائجه بالظنّ الغالب، لتكون تلك المآلات معتبرة في تطبيق الأحكام الشرعية المفضية إلى مقاصدها.
ونحسب أنّ هذا المسلك كان من حيث الأصل مستخدما من قِبل المجتهدين، فعمر بن عبد العزيز على سبيل المثال لمّا تولّى الملك أجّل تطبيق بعض أحكام الشريعة، فلمّا استعجله ابنه في ذلك، أجابه بقوله:"أخاف أن أحمل الحقّ على الناس جملة، فيدفعوه جملة، ويكون من ذا فتنة" [1] ، فما ذلك الاجتهاد من عمر إلاّ لاستقرائه مسقبل أيلولة تطبيق أحكام الشرع جملة على الناس، استدلالا بمؤشّرات من أحوالهم النفسية والاجتماعية والإيمانية، فلمّا أصبح اليوم هذا الاستكشاف المستقبلي علما، فما أحرى الفقها أن يستخدموه مسلكا في العلم بمآلات الأفعال.
ـ مسلك العادة الطبيعية: كما بني الكون كلّه على ترابط علّي بين ظواهره ومكوّناته، بحيث يُستدلّ ببعضها على وقوع بعض، فإنّ الإنسان في مكوّناته وتصرّفاته الفردية والاجتماعية بُني أيضا على قانون طبيعي تترابط فيه المقدّمات والنتائج ترابطا سببيا، وقد كشف علم النفس الفردي والاجتماعي وعلم الاجتماع على الكثير من تلك القوانين الطبيعية، بما أفسح المجال لأن يُعلم الكثير من التصرّفات المستقبلية للإنسان بناء على العلم بمقدّماتها السببية المفضية إليها.
إنّ هذه العادات الطبيعية في الكيان الإنساني الفردي والاجتماعي يمكن أن تُستخدم أسلوبا في الكشف عن مآلات الأفعال، فيُستدلّ وفق هذه العادات بمقدّمات حاصلة على نتائج لها سوف تحصل بمقتضى الترابط الطبيعي بين المقدّمات والنتائج، ويبني المجتهد على ذلك العلم المسبق بالمآلات الأحكام الفقهية التي تناسب المآل المحقّق للمصلحة، ويتفادى الأحكام التي تنتهي إلى مآل لا تتحقّق فيه.
(1) الشاطبي ـ الموافقات: 2/ 148.