حظّه من الدرس، فماذا يمكن أن يُضبط من المسالك المؤدّية إلى ذلك الغرض؟ ربّما يفيد جمع ملاحظات وإشارات متناثرة في هذا الشأن في تحديد المسالك والقواعد التالية:
ـ مسلك الاستقراء الواقعي: لعلّ هذا المسلك هو من أبين المسالك في استكشاف مآلات الأفعال قبل وقوعها، فحينما يُطبّق حكم مّا من أحكام الشريعة على أفعال عديدة في زمن معيّن أو في فاعلين معيّنين، ويتبيّن بنتائج الواقع أنّ ذلك التطبيق لم يتحقّق به المقصد المبتغَى منه، فإنّ ذلك يكون دليلا على أنّ تطبيق الحكم على أمثال الحالات التي طُبّق فيها سوف يؤول إلى نفس المآل من عدم تحقيق المصلحة، ويكون بذلك استقراء المآلات كما تحقّقت في الواقع منهجا يُعلم منه أحوالها قبل وقوعها.
ومثال ذلك ما بنى عليه ابن تيمية وابن القيّم فتوى اعتبار الطلاق ثلاثا بلفظ واحد طلقة واحدة؛ فقد رأيا باستقرائهما لوقائع زمنهما أنّ إمضاء الطلاق ثلاثا بلفظ واحد طلاقا باتّا كما أفتى به عمر رضي الله عنه ومضى عليه الناس بعده قد أفضى إلى فشوّ التحليل لما غدا عليه الناس من رقّة في الدين، وهي مفسدة أكبر من مفسدة التهاون بالطلاق والاستهتار به التي بنى عليها عمر فتواه، فعُلم من هذا الاستقراء الواقعي أنّ الحكم ببتّ الطلاق بلفظ الثلاث سيكون مآله نفس المآل [1] .
وفي عصرنا هذا أصبح استقراء الوقائع علما قائما بذاته، يقوم على قوانين وقواعد دقيقة منضبطة في الإحصاء والتصنيف والاستنتاج، وأصبحت تُبنى على نتائجه الخطط والبرامج والمشاريع، استدلالا بما هو كائن على رسم ما ينبغي أن يكون لتفادي مفاسد وتحرّي مصالح، وهو ما ينبغي على الفقيه المجتهد أن يستعمله مسلكا في التعرّف على مآلات الأفعال كما يجري بها الواقع، حتى إذا ما علم بيقين أو بظنّ غالب أنّ تلك المآلات هي التي ستقع مستقبلا، بنى أحكامه وفتاواه على اعتبارها بحيث يتحقّق المقصد الشرعيّ منها، فهذا مسلك يتوفّر عليه فقهاء اليوم بأوضح وأقوم ما كان بين يدي السابقين.
ـ مسلك الاستشراف المستقبلي: أصبح اليوم استشراف المستقبل علما قائم الذات، تقنّن له القوانين وتقعّد له القواعد، ومن خلال تلك القوانين والقواعد تُستطلع الآراء، وتُستبان عزائم الأفعال، وتُحلّل مكنونات النفوس الفردية والجماعية، وتُجمع المؤشّرات من جاري
(1) راجع هذه المسألة في: ابن القيّم ـ إعلام الموقّعين: 3/ 31 وما بعدها.