ومن أمثلة ذلك ما كان من تصرّف نبوي مع ذلك الأعرابي الذي تبوّل في المسجد فهمّ أصحابه بمنعه، فقد منعهم من ذلك وقال لهم:"لا تُزرموه" [1] ، فهذا الفعل اكتسب بسبب الوقوع خصوصية صار بها لو طُبّق عليه حكم المنع في حال وقوعه آيلا إلى عكس مقصده الذي هو الحفاظ على نظافة المكان، إذ تطبيق المنع في حال الوقوع يفضي إلى المزيد من النجاسة بالانتشار، إضافة إلى ما يحصل من الأذى البدني بذلك المنع، وهذا التصرّف النبوي إنّما كان مبنيا على ما كان من تأثير لخصوصية الوقوع على أيلولة الفعل. ولعلّ القاعدة الفقهية القائلة بأنّه يجوز في الانتهاء ما لا يجوز في الابتداء مبنيّة على اعتبار المآل بتأثير خصوصية الوقوع هذه.
وقد كان الفقهاء والأصوليون والمجتهدون يقدّرون هذه الأسباب المؤثّرة في أيلولة الأفعال، ويتّخذون منها قواعد في التأصيل والاجتهاد، فقد عقد ابن القيّم في كتابه الإعلام فصلا بيّن فيه"تغيّر الفتوى واختلافها بحسب تغيّر الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيّات والعوائد" [2] ، وممّا قرّره الشاطبي مندرجا في ذات السياق أنّه ينبغي على المجتهد:"النظر فيما يصلح بكلّ مكلّف في نفسه، بحسب وقت دون وقت، وحال دون حال، وشخص دون شخص، إذ النفوس ليست في قبول الأعمال الخاصّة على وزّان واحد ... فهو يحمل على كلّ نفس من أحكام النصوص ما يليق بها، بناء على أنّ ذلك هو المقصود الشرعي في تلقّي التكاليف" [3] . وإنّما اعتبر المآل في هذه البيانات والأقوال بناء على العلم بالمؤثّرات التي تؤثّر في الأيلولة فتخرج بها من سياقها في إنتاج الحكم لمقصده إلى سياق آخر يكون فيه غير منتج لذلك المقصد، وذلك بواحد من الأسباب التي ذكرناها أو بغيرها، وهو علم مطلوب للمجتهد باعتبار المآل.
ثالثا ـ مسالك الكشف عن المآلات: لا يكفي في الاجتهاد باعتبار المآل أن يعلم المجتهد مقاصد الأحكام تعيينا، وأن يعلم المؤثّرات على الأيلولة بحسب ما هي عليه في الواقع، فتلك كلّها إنّما هي مقدّمات لعلم آخر ضروري هو المعقد في اعتبار المآل، وهو العلم بالقواعد والمسالك التي بها تُقدّر مآلات الأفعال، فيعلم من خلالها مسبقا على وجه اليقين أو الظّنّ
(1) أخرجه البخاري ـ كتاب الأدب / باب الرفق في الأمر كلّه.
(2) ابن القيّم ـ إعلام الموقّعين: 3/ 11.
(3) الشاطبي ـ الموافقات:5/ 25، وراجع أيضا في نفس المكان شواهد كثيرة من الحديث النبوي على هذه القاعدة.