تطبيقه عليها، بل قد يؤدّي إلى عكس ذلك المقصد؛ فبدلا من أن يؤدّي تطبيق الحدّ على مقترف الأفعال المستحقّة له إلى ردع الفاعل عن مقارفتها مجدّدا قد تؤدّي إلى إغرائه بإفشاء الأسرار إلى الأعداء أو إلى اللّحاق بهم انتقاما لما فُعل به، وتنكيلا بمقيمي الحدّ عليه، وهو ما يؤدّي إلى مفسدة أعظم من مفسدة ترك إقامة الحدّ [1] .
ـ الخصوصية العرفية: تتّخذ بعض الجماعات أعرافا وعادات تتواضع عليها وتحكّمها في بعض شؤون حياتها، وقد تكتسب بعض أفعالهم بتلك الأعراف خصوصية لا تكون لها في أصلها العامّ، وتلك الخصوصية العرفية التي تكتسبها بعض الأفعال قد تجعلها حينما يُطبّق عليها الحكم الشرعي المتعلّق بها غير آيلة إلى تحقيق المقصد الذي يبتغيه ذلك الحكم، فتكون أيلولتها إلى هذا المآل إذن بسبب من تأثير الخصوصية العرفية.
ومن أمثلة ذلك أنّ بعض المجتمعات جعلت من عاداتها تفشّي المصافحة بين الرجال والنساء، وعُدّ عندها الامتناع عن ذلك من علامات التحقير والاستنقاص والسخرية التي تقابل بالنكير الشديد والجفوة البالغة، فإذا ما جاء الداعية المرشد لهؤلاء القوم يطبّق عليهم في فعل هذه المصافحة الحكم الشرعي بالمنع، باءت دعوته بفشل ذريع، إذ يُستنكر عليه ذلك استنكارا، وتقابل دعوته وإرشاداته بالرفض، فربّما كان من اجتهاده الموفّق اعتبار هذه الأيلولة لحكم المنع إلى غير مقصده، فترخّص بالجواز إلى حين تحويل القوم بالدعوة والإرشاد عن هذه العادة.
ـ الخصوصية الواقعية: أحكام الشريعة جاءت توجّه أفعال العباد بالجواز والمنع والطلب حتى تحصل في الواقع بحسب ذلك، فهي متّجهة إليها بالتكليف قبل وقوعها، ومقاصدها المبتغاة منها إنّما حدّدت على ذلك الاعتبار، فإذا ما وقع الذي حكمه الطلب تحقّقت المصلحة من وقوعه، وإذا ما لم يقع الذي حكمه المنع تحقّقت المصلحة من عدم وقوعه؛ ولكن بعض الأفعال حينما يأخذ طريقه إلى الوقوع جاريا على غير ما شُرّع له من الحكم فإنّه قد يكتسب بوقوعه على ذلك النحو خصوصية واقعية تجعل تطبيق حكمه عليه بالمنع مثلا إن كان حكمه المنع يؤول به إلى خلاف مقصد ذلك الحكم منه، وتكون إذن تلك الخصوصية الواقعية مؤثّرة على أيلولة الحكم الشرعي إلى تحقيق مبتغاه.
(1) راجع في هذه المسألة نفس المصدر: 3/ 13، وراجع فيه أيضا أمثلة أخرى كثيرة في هذا الشأن.