الصفحة 16 من 49

بمعروف أو نهي عن منكر عاندت ذلك النصح بعكس مقتضاه من الانتصاج شأن النفوس المرسلة على فطرتها السويّة، فإذا هي تأتي من المنكر جرّاء ذلك النصح بما هو أفظع من المنكر المنصوح فيه، وإذن فإنّ المقصد المبتَغَى من حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر المشمولة به تلك النفوس وهو حصول المصلحة بإتيان المعروف والانكفاف عن إتيان المنكر لا يكون له تحقّق في هذا النمط من الأفراد الفاعلة، لتلك الصفات الذاتية التي اكتسبتها فعطّلت أيلولة الحكم إلى تحقيق مقصده، وهذه الخاصّية الذاتية الصارفة عن تحقيق مقصد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هي التي كانت ملحَظا ذكيّا للإمام ابن تيمية حينما مرّ بقوم من التتار يشربون الخمر، فنهاهم صاحبه عن هذا المنكر، فأنكر عليه ذلك قائلا:"إنّما حرّم الله الخمر لأنّها تصدّ عن ذكر الله وعن الصلاة، وهؤلاء يصدّهم الخمر عن قتل النفوس وسبي الذرّية وأخذ الأموال، فدعهم" [1] .

ومن أمثلته في الأفعال ما قد يخالط فعل الزواج من نيّة التوقيت إلى أجل محدّد سواء لتحقيق متعة، أو لتحليل زوجة مطلّقة ثلاثا، فصفة التوقيت التي يكتسبها هذا الفعل في عنصر النيّة منه تجعل الحكم الشرعي المبتَغَى من الزواج في عموم أفراده غير متحقّق فيه، إذ طبيعة صفة التوقيت معاندة في طبيعتها لمقصد الإنجاب والسكينة والتعاون؛ ولذلك يُصرف عنه حكم الجواز أو الطلب، ويُستعاض عنهما بحكم المنع، اعتبارا لهذه الأيلولة المصروف فيها المقصد الشرعي عن التحقّق بسبب هذه الخصوصية الذاتية.

ـ الخصوصية الظرفية: قد تكتسب بعض الأفعال خصائص إضافية من تلقاء الظرف الذي يكون مسرحا لحدوثها، سواء كان ظرفا زمانيا، أو مكانيا، أو زمانيا ومكانيا معا، وتكون تلك الخصائص المضافة إلى الفعل في أصل طبيعته عائقة دون تحقيق المصلحة التي يبتغيها منه الحكم المشرّع لعموم نوعه، فتعتبر تلك الخصوصية الظرفية إذن هي المؤثّر على أيلولة الحكم الشرعي إلى منتهَى لا يتحقّق فيه المقصد منه.

ومن أمثلة ذلك أنّ الأفعال التي تستحقّ أن تُطبّق عليها أحكام الحدود إذا ما وقعت في زمن تدور فيه الحرب مع العدوّ، أو وقعت على مكان هو بلاد العدوّ، فإنّها تكتسب بهذه الظرفية الزمانية والمكانية خاصّية تجعل من حكم إقامة الحدّ حكما غير مؤدّ إلى مقصده من

(1) ابن القيّم ـ إعلام الموقّعين: 3/ 13

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت