الصفحة 15 من 49

الشارع، ولأنّه من جملة المحافظة على الكلّيات، لأنّها يخدم بعضها بعضا .. .. فالحاصل أنّه لا بدّ من اعتبار خصوص الجزئيّات مع اعتبار كلّياتها، وبالعكس، وهو منتهى نظر المجتهدين بإطلاق" [1] ."

ثانيا ـ المؤثّرات في أيلولة الأحكام: إذا تبيّن أنّ أحكام الشريعة لئن كانت تؤول إلى تحقيق مقاصدها في الأغلب، إلاّ أنّها قد تتخلّف في ذلك التحقيق، فحقّ على الناظر المجتهد بقاعدة اعتبار المآل أن يكون له إلمام بالأسباب التي تجعل الأحكام تتخلّف عن تحقيق مقاصدها، والمؤثّرات التي تؤثّر عليها في ذلك، فما هي تلك الأسباب وتلك المؤثّرات؟

ألمعنا آنفا إلى أنّ أفراد الأفعال التي يتّجه إليها الحكم الشرعيّ الكلّي بالتكليف إنّما يتّجه إليها باعتبار ما فيها من معنى الكلّية المتمثّل في جنسها أو نوعها، والمقصد المبتغى تحقيقه منها مبنيّ على اعتبار ذلك المعنى الكلّي، ولكنّ الأفراد في تعيّنها تكتسب لها أحوالا تزيد عن ذلك المعنى الكلّي الجامع بينها، وهي أحوال قد تختلف بين فرد وآخر من أفرادها إن كثيرا أو قليلا. وتلك الأحوال التي يختصّ بها كلّ فرد من الأفراد قد تبلغ في بعض الأفراد مبلغا بعيدا ينأى بها عن سائر الأفراد، فتتكوّن لها بذلك خصوصية بيّنة تكون سببا مؤثّرا على أيلولة المقصد الشرعي الذي شرّع من أجله الحكم المتّجه إليها، فإذا بذلك المقصد يتخلّف حينما يطبّق الحكم عليها بسبب تلك الخصوصية. ويمكن تبيّن تلك الخصوصية المؤثّرة على أيلولة الحكم إلى تحقيق مقصده في جملة من المظاهر التي من أهمّها ما يلي:

ـ الخصوصية الذاتية: قد يكتسب فعل مّا من الأفعال، أو يكتسب فاعله لسبب أو لآخر من الأسباب صفات ذاتية يخرج بها عن مماثلة النوع الذي ينتمي إليه، وتكون تلك الصفات منافرة في طبيعتها لطبيعة المقصد الشرعي الذي من المفروض نظريا أن يتحقّق في ذلك الفعل أو في ذلك الفاعل عندما يُجرى عليه الحكم الموضوع له؛ ولذلك فإنّه عند تطبيق الحكم الشرعي عليه ابتغاء تحقيق مقصده فيه تكون تلك الصفات المكتسبة المنافرة في طبيعتها لطبيعة ذلك المقصد حائلا دون تلك الأيلولة المبتغاة.

ومن أمثلة ذلك في الأشخاص الفاعلة أن يكتسب شخص مّا أو مجموعة من الأشخاص صفات من غلظة النفس، ومن تمكّن الباطل فيها، ما يجعلها إذا ما وُجّه إليها نصحٌ بأمر

(1) نفس المصدر: 3/ 180

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت