الصفحة 14 من 49

المؤثّرات على وزّان واحد، فتستجيب كلّ أفرادها على ذات النّمط من الاستجابة، لا يشذّ فرد في ذلك عن أفراد نوعه؛ ولذلك فهي تنضبط في صرامة للقانون الكلّي الموحّد الذي يصدق على كلّها كما يصدق على جزئيّات أفرادها؛ ولكنّ الإنسان وشأنه ما وصفنا لئن كان يستجيب على أنماط متطابقة أو متقاربة للقانون الموحّد الذي يتعلّق بتكوينه الفطري الذي هو قدر مشترك ثابت، فإنّه ليس كذلك فيما يتعلّق بما به الاختلاف بين الأفراد وبين الجماعات، فذلك الذي به الاختلاف لاينضبط في التفاعل والاستجابة إلى قانون صارم، بل يحدث فيه من التفاوت ما لا يحصره قانون، ولا تضبطه قاعدة ثابتة.

والله تعالى لمّا كان عليما بطبيعة الإنسان فيما ينتظم أفراده من مشتركات الفطرة ومن مختلفات الأوضاع المكتسبة، فإنّه لمّا شرّع الأحكام وبناها على تحقيق مصلحة الإنسان، شرّعها على وجه القانون العامّ الذي يناسب المشترك من الفطرة الإنسانية، ولكنّ هذا القانون العامّ المتمثّل في الأحكام الكلّية للشريعة لئن كانت في تحقيق مقاصدها التي أرادها الله تعالى منها تنتهي إلى تحقيق تلك المقاصد بالفعل عند التطبيق بالنسبة للغالب من أفراد الناس وأفراد الجماعات باعتبار غلبة ما هو من مشترَك الفطرة، فإنّها قد لا تنتهي إلى ذلك التحقيق الفعلي بالنسبة لبعض الأفراد، أو لبعض الجماعات، أو في بعض الظروف والأحوال؛ وذلك بسبب الاختلاف بينها فيما هو زائد على مكوّنات الفطرة من المكتسَبات العارضة

وإذن فإنّ أحكام الشريعة إذا كانت تؤول في الغالب إلى تحقيق مقاصدها عند تطبيقها على الأفعال، فإنّه ليس من المستغرب أن تتخلّف أحيانا أيلولاتها إلى ذلك التحقيق للأسباب التي ذكرناها آنفا، وهو ما يقوم مقام المبرّر الشرعي لاستعمال قاعدة اعتبار المآلات في منهج الاجتهاد ليُصرف الفعل عن حكمه الأصلي الذي لم يحقّق فيه مقصده إلى حكم آخر يحقّقه فيه، وذلك ما أشار إليه الشاطبي في قوله:"إنّ الشريعة لم تنصّ على حكم كلّ جزئيّة على حدتها، وإنّما أتت بأمور كلّية، وعبارات مطلقة تتناول أعدادا لا تنحصر، ومع ذلك فلكلّ معيّن خصوصية ليست في غيره ولو في نفس التعيين، وليس ما به الامتياز معتبرا في الحكم بإطلاق، ولا هو طردي بإطلاق، بل ذلك منقسم إلى الضربين" [1] ، كما أشار إليه في قوله تكملة لذلك:"فلو أعرض عن الجزئيات بإطلاق، لدخلت مفاسد، ولفاتت مصالح، وهو مناقض لمقصود"

(1) الشاطبي ـ الموافقات: 5/ 114ـ15

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت