والعلم بهذا المآل الذي هو معقد العدول بالحكم الأصلي إلى حكم آخر يستلزم من المجتهد ضربا آخر من الفقه غير الفقه الذي يعيّن به مقاصد الأحكام، إذ أحكام الشريعة المتعلّقة بأفعال العباد إنّما وضعت من قِبل عليم حكيم، وهي لم توضع من قِبله متعلّقة بتلك الأفعال أمرا ونهيا وإباحة إلاّ لأنّها بحكم علمه وحكمته تحقّق مقاصدها فيها من جلب مصلحة للعباد ودرء مفسدة عنهم، فكيف تؤول أحيانا إلى خلاف ما وُضعت له فلا تتحقّق مقاصدها؟ وما هي الأسباب التي تجعلها لا تحقّق تلك المقاصد؟ وكيف يمكن للناظر أن يعلم بأنّ الأحكام ستحقّق مقاصدها إذا ما طُبّقت على الأفعال الموضوعة لها أو هي لا تحقّقها؟ أسئلة ثلاثة يجب على الناظر في المآلات أن يكون له فيها جواب.
أوّلا ـ أيلولة الأحكام إلى غير مقاصدها: أحكام الشريعة متعلّقة بأفعال العباد، والأفعال صادرة عن أفراد من الناس معيّنين بأشخاصهم، وهذا التعيّن لئن كان يشتمل على قدر مشترك بين المتعيّنين مثل ماهية الإنسانية بمكوّناتها الفطرية، فإنّه يشتمل أيضا على قدر من الاختلاف بين فرد وآخر من الأفراد، وبين مجموعة وأخرى من المجموعات، من مثل المكتسبات التربوية، والأحوال الخارجية كالفقر والغنى، والجماعية والتفرّد، والظروف المكانية والزمانية.
وإذا كانت الماهية المشتركة بين أفراد الإنسان تمثّل سببا في اطّراد جملة كبيرة من التصرّفات عند جميعهم كالسعي إلى تحصيل ما يحفظ الحياة من الطعام والشراب، وما يحفظ النوع من أسباب التناسل، فإنّ ما به الاختلاف ممّا هو زائد على الماهية يمثّل سببا في اختلاف الأفراد في جملة كبيرة من التصرّفات الصادرة عنهم، وفي اختلاف درجات قبولهم للمؤثّرات الخارجية وتفاعلهم معها، وفي مدى انصلاح نفوسهم واستقامة أعمالهم بما يرد عليهم من عوامل الإصلاح والتقويم، وممّا يعزّز ذلك ويقوّيه ما رُكّب عليه الإنسان في أصل فطرته من إرادة الاختيار التي تذهب بالأفراد مذاهب شتّى تبعا لاختياراتهم المتعدّدة. وذلك كلّه يصحّ في حقّ الجماعات التي تتشكّل لحمتها بظروف الزمان أو المكان، أو بالعوائد والأعراف، أو بالمذاهب والأديان، أو بغيرها من أسباب تشكّل الجماعات كما يصحّ في حقّ الأفراد.
إنّ الإنسان إذن هو بالاعتبارات السابقة مخالف للمادّة الصّمّاء، فالمادّة تتشكّل على سواء في أصل خلقتها، ولا يكون بين أفراد أنواعها من تفاوت، إذ هي مسلوبة الاختيار، وهي مسلوبة في التفاعل مع غيرها قابلية التفاوت بالزيادة أوالنقصان في كينونتها؛ وهي لذلك تتقبّل