فيُعرف من ذلك أنّ المقصد الشرعي المتعيّن في حقّ أشباهها ليس مقصدا متعيّنا في حقّها هي، وذلك ضرب من المسالك في معرفة مقاصد الأحكام.
ومن أمثلة ذلك ما جرى عليه الاجتهاد المالكي من إسقاط الزكاة من الخضر والبقول، لما نقل عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم من أنّه لم يأخذ فيها زكاة، وإسقاط السجود شكرا لله عند حلول النعم والأفراح، لما نقل عنه من تركه لذلك؛ فبهذا السكوت النبوي عن تشريع الزكاة في الخضر والبقول، وتشريع السجود شكرا للّه عند حلول النعم مع قيام الدواعي لذلك، إذ قد توفّر بين يديه إنتاج الخضر والبقول، وتوفّرت مناسبات الأفراح، يُعلم أنّ مقصد الزكاة في سائر الأنواع التي شملها حكم الزكاة، ومقصد السجود في سائر مناسبات السجود التي ورد فيها حكم به، ليس بمقصد لزكاة الخضر والبقول، ولا مقصد للسّجود شكرا عند حلول النعم، وهو ما يساعد المجتهد على تبيّن مقاصد الأحكام بطريق التعيين السلبي لما هو ليس بمقصد شرعي [1] .
هذه بعض المسالك التي تعين المجتهد على تعيين مقاصد الأحكام، وبمزيد من كدّ النظر في هذا الشأن يمكن أن يقف الباحث على مسالك أخرى، إمّا مستقلّة بذاتها، أو متفرّعة عن هذه التي ذكرناها، فالمجال في هذا الأمر بقي قليل الارتياد من النّظّار، وآفاقه مفتوحة للبحث، والبحث فيه بحث جليل الفائدة في مقام الاجتهاد بصفة عامّة، وجليل الفائدة في مقام الاجتهاد باعتبار المآلات بصفة خاصّة.
ب ـ تحرّي أيلولة الأحكام: إنّ تعيين مقاصد الأحكام لئن كان خطوة ضرورية في اعتبار المآلات، إلاّ أنّها ليست بكافية في ذلك؛ لأنّ الحكم الشرعي الذي يبنيه المجتهد على اعتبار المآل ينبغي أن يبنيه على علم باليقين أو الظنّ الغالب بأنّ الحكم الأصلي إذا ما طُبّق على الفعل الموضوع له فسوف لا يحقّق به ذلك المقصد منه الذي وقع تعيينه بمسلك من مسالك التعيين، وإنّما سينتهي إلى مآل آخر فيه من المفسدة ما يساوي المصلحة المقصودة أو يربو عليها، وذلك العلم هو المبرّر للعدول بالحكم الأصلي إلى حكم آخر يُقدَّر أنّه هو الذي يحقّق المقصد المرجوّ.
(1) راجع: نفس المصدر ـ 3/ 156.