الصفحة 11 من 49

الاستقراء يُبين عن اطّراد في بعض المعاني تتكرّر في جملة كبيرة من الأحكام، فيقوم ذلك مقام التعيين لتلك المعاني مقاصدَ للأحكام التي اطّردت فيها، وللأحكام التي هي من جنسها.

ومن أمثلة ذلك ما يطّرد في أحكام المعاوضات من نهي عن المزابنة، وعن بيع المكيل بالجزاف، وعن المخادعة في البيع، فهذا النهي في أشكاله المتعدّدة يتعيّن به بطريق الاستقراء مقصد عامّ لهذه الأحكام هو مقصد إبطال الغرر. ومن أمثلته أيضا ما يطّرد في أحكام بيع الطعام من نهي عن الاحتكار، ونهي عن بيع الطعام قبل قبضه، والنهي عن بيع الطعام بالطعام نسيئة، فهذا النهي يفيد بطريق الاستقراء أنّ المقصد في أحكام بيع الطعام رواجُه وتيسير تداوله بين الناس [1] .

ثالثا ـ: التحرّي بدلالة الأصل على الفرع: إنّ من أحكام الشريعة ما يُبنى على مقصد أصلي يكون متعيّنا بالنصّ أو بالاستقراء، وتتفرّع عنه وتتبعه مقاصد أخرى له لا تكون متعيّنة بذلك، ففي هذه الحال يمكن تعيين تلك المقاصد الفرعية بدلالة ذلك المقصد الأصلي المتعيّن بالنصّ، وذلك باعتبار أنّ كلّ ما كان موافقا للمقصد الأصلي مدعّما له فهو مقصد شرعي لذلك الحكم، وكلّ ما كان خلاف ذلك فهو ليس بمقصد له.

ومثال ذلك أنّ المقصد الأصلي من أحكام الزواج هو إنجاب النسل، وبهذا المقصد الأصلي يُستدلّ لتعيين مقاصد فرعية تكون متلائمة معه وموافقة له، وذلك من مثل المتعة المادّية، والسّكن النفسي، والإعفاف، والتعاون في شؤون الحياة، فهذه كلّها وما في معناها مؤيّدات لإنجاب النسل، مدعّمات له، فهي من المقاصد الفرعية لأحكام الزواج، فيمكن للناظر أن يعيّنها بدلالة ذلك المقصد الأصلي عليها [2] .

رابعا ـ التحرّي بالتعيين السكوتي: كما قد يُعلم مقصد الشارع من الحكم على سبيل الإيجاب تعيينا بأحد المسالك السابقة، فإنّه قد يُعلم بطريق السلب، وذلك كأن يُشرّع حكم مّا في شأن مفردات من الأفعال أو الأشياء، ويسكت عمّا هو شبيه بها فلا يُشمَل بذلك الحكم، فذلك السكوت يقوم مقام التعيين لكون المقصد من الحكم غير شامل للأفراد المسكوت عنها،

(1) راجع: ابن عاشور ـ مقاصد الشريعة: 20.

(2) راجع: الشاطبي ـ الموافقات: 3/ 139

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت