يستبين، وما بين هذا وذاك درجات كثيرة ينبسط فيها للظنّ مجال واسع، فينبغي أن ينبسط فيها أيضا للنظر جهد كبير، حتى ينتهي الأمر إلى تعيين صحيح للمقصد يحدّد على أساسه المآل فيما إذا كان موافقا له أو مخالفا.
وحينما نعود إلى الأدب الأصولي فيما يتعلّق بالمقاصد فإنّنا لا نظفر بما يشفي الغليل في خصوص مسالك الكشف عن مقاصد الأحكام الشرعية على وجه التفصيل فيها، وإذا تجاوزنا في ذلك ما يُعرف في باب القياس من علم أصول الفقه من مبحث مسالك العلّة فإنّنا لا نجد حسب علمنا من خصّص جهدا معتبرا في الكشف عن هذه المسالك سوى الإمامين المقاصديين: الشاطبي وابن عاشور، فقد عقد كلّ منهما فصلا حاول فيه التوجيه إلى مسالك تعين على تعيين مقاصد الشريعة من أحكامها، فكانت كالقواعد التي يتوخّاها الناظر لتحديد تلك المقاصد والوقوف عليها، وزاد ابن عاشور على ذلك أن بيّن المقاصد التفصيلية في كلّ جنس من أجناس الأحكام، فكان ذلك كالتطبيق لتلك القواعد النظرية [1] . ومن أهمّ المسالك الكاشفة عن مقاصد الأحكام كما وردت عند الإمامين ما يلي:
أوّلا ـ التحرّي بالتعيين النصّي: جاء في القرآن الكريم تعيين للمقاصد الشرعية في بعض الأحكام المخصوصة أو في الأحكام بصفة عامّة، وذلك على سبيل التصريح أو على سبيل التنبيه، وذلك من مثل قوله تعالى:"إنّما يُريدُ الشيطانُ أن يُوقِع بينكُم العداوةَ والبغضاءَ في الخمرِ والميسرِ" (المائدة / 91) ، ففي هذا تصريح بأنّ المقصد من منع الخمر والميسر هو منع ما يفضيان إليه من العداوة والبغضاء بين الناس، وقوله تعالى:"ومن كان مريضا أو على سَفَر فعِدّةٌ من أيَّامٍ أُخَر يُريد اللهُ بكم اليُسرَ ولا يُريدُ بكم العُسرَ" (البقرة/185) ، ففيه تعيين لمقصد الحكم بجواز الإفطار في حال المرض والسفر، وهو التيسير ورفع المشقّة على الصائم، وهو المقصد الذي ورد تعيينه على سبيل التنبيه في أحكام الدين كافّة كما في قوله تعالى:"وما جعلَ عليكُم في الدينِ من حَرَج" (الحج/78) [2] .
ثانيا ـ التحرّي بالتعيين الاستقرائي: يمكن أن يتمّ تعيين مقاصد الأحكام الشرعية بعمل استقرائي في عموم التصرّفات الشرعية ما كان منها بيانا قوليا وما كان بيانا عمليا، فذلك
(1) راجع في ذلك: الشاطبي ـ الموافقات: 5/ 132 وما بعدها، وابن عاشور ـ مقاصد الشريعة: 19 وما بعدها، وراجع أيضا بحثا لنا بعنوان"مسالك الكشف عن مقاصد الشريعة بين الشاطبي وابن عاشور"في كتاب: فصول في الفكر الإسلامي بالمغرب": 19 وما بعدها."
(2) راجع: ابن عاشور ـ مقاصد الشريعة: 21.