الصفحة 9 من 49

المورد"؛ وإنّما كان على هذا النحو لأنّ مرمى النظر فيه بعيد، يمتدّ إلى مآل الفعل الذي قد يتبيّن ببعض اليسر في الدائرة القريبة، وقد لا يتبيّن إلاّ في دوائر بعيدة تتداعى مضاعفاتها وتتوالى قبل أن تستقرّ على حالها الأخيرة، وخاصّة فيما هو معقّد متشابك من شؤون الحياة، فيصعب حينئذ تقدير المآل الذي ينبني عليه الحكم"

وتُضاف إلى هذه الصعوبة في المورد تلك الخطورة الشديدة إذا ما وقع الخطأ في التقدير؛ إذ لو قُدر المآل في فعل من الأفعال على غير حقيقته، فعُدل بالحكم الشرعي المتعلّق به إلى حكم آخر يقتضيه ذلك المآل المقدّر خطأ لانتهى الأمر إلى تغيير في شرع الله تعالى بإجازة الممنوع ومنع الجائز، وذلك محذور كبير هو الذي استشعره أولئك الذين عارضو أن يكون اعتبار المآلات أصلا اجتهاديا، فبنوا أقوى أدلّتهم في المعارضة عليه [1] .

وتقتضي هذه الصعوبة في المورد، وهذه المحاذير في النتائج أن يُحاط استعمال هذا الأصل الاجتهادي بجملة من القيود والضوابط التي من شأنها أن ترشّد فيه المسار، وأن تجنّب الزلل. وبما أنّ مناط الاجتهاد في استعمال هذا الأصل يتعلّق بأمرين: مقصد الحكم المنظور في مآله، وأيلولته إلى تحقيق ذلك المقصد من عدمها عند التطبيق، فإنّ الضوابط التي من شأنها أن ترشّد الاجتهاد بهذا الأصل ستكون متعلّقة بهذين الأمرين على نحو ما يلي:

أ ـ تحرّي مقاصد الأحكام: إنّ اعتبار المآلات مبنيّ على اعتبار المقاصد، فحينما يقع العدول عن حكم مّا في فعل من الأفعال إلى حكم غيره بناء على مآله، فالمقصود بذلك أنّ هذا الحكم لا ينتهي عند تطبيقه إلى المقصد الذي شُرّع من أجله، بل يؤول إلى خلاف ذلك المقصد، فيُعتبر إذن ذلك المآل، ويُعدل بالحكم الأصلي إلى غيره. ولمّا كان الأمر كذلك فإنّ أوّل الضوابط في اعتبار المآلات هو تحرّي المقصد الذي شرّع من أجله الحكم المنظور في مآله حتى يحصل فيه تعيين باليقين أو بغلبة الظنّ، فيرد اعتبار المآل إذن في تحقّق المقصد من عدمه على مقصد معلوم غير موهوم، وينتهي تقدير المآل على مورد صحيح.

ومقاصد الأحكام الشرعية إذا كانت ثابتة في ذاتها بالنسبة لكلّ حكم منها، إلاّ أنّها من حيث ظهورها وخفاؤها بالنسبة للناظر متفاوتة في الدرجات، فقد يكون حكم مّا بيّن المقصد فيُعلم على وجه اليقين أو ما يقارب اليقين، وقد يكون حكم آخر خفيّ المقصد بحيث يكاد لا

(1) راجع في ذلك: ابن حزم ـ الإحكام في أصول الأحكام: م2/ 180

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت