الصفحة 19 من 49

الغالب أنّ هذا الحكم الشرعيّ إذا ما طُبّق على هذا الفعل المعيّن آل به إلى أيلولة لا يتحقّق بها مقصده، ليكون ذلك العلم هو الأساس الأصلي في العدول بالحكم الأصلي إلى حكم آخر يتحقّق به المقصد المبتَغَى، ويكون تبعا لذلك هو الأساس الأصلي في الاجتهاد باعتبار المآل. فما هي المسالك التي يمكن أن يستكشف بها المجتهد مآلات الأفعال قبل وقوعها ليبني عليها اجتهاده باعتبار المآل؟

لم نقف بحسب علمنا على مبحث متخصّص في هذا الأمر لا في الدراسات القديمة ولا في الحديثة، وإنّما هي ملاحظات وإشارات ولمحات مبثوثة في مؤلّفات الأصوليين والمقاصديين منهم على وجه الخصوص، وقد أورد الشاطبي هذه القضية قضيّة العلم المسبق بمآل الحكم من تحقيق مقصده أو عدمه في هيئة إشكال طرحه للحوار بين القول بإجراء الأحكام على الأفعال المتعلّقة بها أو عدم إجرائها في حال العلم أو الظّن بأنّها لا تفضي إلى تحقيق مقاصدها منها، ولم يأت في ذلك بجواب فيما يمكن أن يُعلم به مسبقا أيلولة الحكم إلى مقصده من عدم ذلك.

وممّا قاله الشاطبي في تحديد هذه المشكلة:"وأمّا إن كان امتناع وقوع حكم الأسباب وهي المسبّبات [أي الأيلولة إلى تحقيق المقصد الشرعي] لأمر خارجي مع قبول المحلّ من حيث نفسه، فهل يؤثّر ذلك الأمر الخارجي في شرعية السبب، أم يجري السبب على أصل مشروعيته؟ هذا محتمل، والخلاف فيه سائغ" [1] ، وممّا أورده من استشكالات في هذا الشأن قوله:"إنّ اعتبار وجود الحكمة [أي حصول المقصد] في محلٍّ عينا لا ينضبط؛ لأنّ تلك الحكمة لا توجد إلاّ ثانيا عن وقوع السبب [أي عن تطبيق الحكم] ، فنحن قبل وقوع السبب جاهلون بوقوعها أو عدم وقوعها ... وإذ لم نعلم وقوع الحكمة فلا يصحّ توقّف مشروعية السبب على وجود الحكمة" [2] .

وإنّه لمن الحقّ على المجتهد أن يتبيّن ببعض القواعد والمسالك حصول المقصد من إجراء الحكم الشرعي على الأفعال العينية المتعلّق بأجناسها أو عدم حصوله ليبني على العلم بتلك الأيلولة إجراءه عليها أو صرفه عنها، وذلك فقه دقيق في هذا الاجتهاد نحسب أنّه لم يأخذ

(1) الشاطبي ـ الموافقات: 391.

(2) نفس المصدر: 391ـ392

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت