الصفحة 36 من 151

وقد انعقد إجماع أهل السنة على اعتماد هذا الجواب في كل الصفات وليس في الاستواء فقط فقوله (الاستواء غير مجهول) أي معناه في اللغة معلوم تعرفه العرب في لسانها, وقوله (والكيف غير معقول) أي أن معرفة الكيفية لصفات الله تعالى لا تعقل أي غير داخلة في حد ما خلق العقل له, فليس للعقل أمامها إلا التسليم والتفويض {آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا} فلا يجوز للعقل أن يفكر مجرد تفكير في كيفية شيء من صفات الله تعالى, بل إن إدخال العقل في طلب معرفة الكيفية مسلك من مسالك الضلال وطريق من طرق الشيطان فالله تعالى لما خلق العقل جعل له حدودًا وطاقات لا يزال تفكيره سليمًا ما دام داخلًا في حدوده وطاقاته وأما إذا أقحم فيما ليس له فيه مجال فإنه لن يرجع إلا بالحيرة والضلال والتيه والشكوك والحسرة والخيبة, ومن ذلك كيفيات صفات الله تعالى فإن معرفتها خارجة عن مدركات العقول ولم تخلق العقول لإدراكها أصلًا ولا قدرة ولا طاقة للعقل مهما فكر وقدر على معرفة ذلك لأنه من علم الغيب الذي اختص الله تعالى به لا يعلمه ملك مقرب ولا نبي مرسل وقوله (والإيمان به واجب) لأنه خبر الشارع وقد تقرر أن خبر الشارع يجب تصديقه والإيمان به فيجب الإيمان الجازم بكل أخبار الشريعة وقوله (والسؤال عنه بدعة) أي لأنه سؤال مخترع لا يعرف عن أحد من سلف الأمة وأئمتها, بل هو تنطع وتشدق وتقحم في المهالك والمقصود أن تعلم أن القاعدة عند أهل السنة تقول: المعاني معلومة والكيفيات مجهولة ونحن بذلك المذهب وسط بين مذهبين ضالين كل الضلال, الأول:- مذهب المفوضة الذين يقولون:- المعاني غير معلومة ومن باب أولى الكيفيات أيضًا, الثاني:- مذهب الممثلة الذين يقولون:- بل الكيفيات معلومة ويجعلونها ككيفية صفات المخلوقات, فقال أهل السنة: بل المعاني معلومة وأما الكيفيات فمجهولة, فإن قلت:- كيف تقول إن مذهب أهل السنة هو العلم بمعاني الصفات مع أن الإمام أحمد يقول:-

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت