الصفحة 33 من 151

الثاني:- أن العقول متفاوتة أشد التفاوت فما ترونه بعقولكم أنه ليس بثابت يراه غيركم أنه ثابت، فبأي عقل نزن الكتاب والسنة، ذلك لأن العقل لا يعرف تفاصيل ما يجب إثباته لله مما نفي عنه، فأنتم ترون أن العقل يثبت الأسماء فقط وينفي سائر الصفات، والجهمية يرون أن العقل يقضي بنفي الكل الأسماء والصفات، والفلاسفة يرون أن العقل ينفي كل إثبات ولا يثبت إلا النفي فقط، والقرامطة غلاةٌ غلاة يرون أن العقل هو نفي النقيضين، فالعقول متفاوتة فأي عقل نعتمده وننزل الكتاب والسنة عليه؟.

الثالث:- سلمنا أن دليل العقل انتفى فإن انتفاءه لا يدل على انتفاء ما أثبته الدليل النقلي فإن النقل دليل مستقل بذاته لا يعرض على العقل، فالصفات التي نفيتموها قد جاءت بها الأدلة الصحيحة الصريحة من الكتاب والسنة فيجب إثبات ما أثبته النقل، فلا تقف حيث وقف العقل بل قف حيث وقف النقل.

الرابع:- أننا لا نسلم أصلًا أن العقل عاجز عن إثبات كثير مما نفيتموه من الصفات، فإن العقل السليم يعرف طريق إثبات ذلك، فمثلًا إكرام الطائعين بأنواع الإكرام وإدخالهم الجنة وإعدادها بأنواع النعيم المقيم واللذة الأبدية دليل على محبتهم ورحمتهم، وإهانة الكافرين وتعذيبهم بأنواع العذاب وإدخالهم النار دليل على بغضهم والغضب عليهم, وإمساك السماوات والأرض أن تزولا وإمساك الجبال دليل على القوة الكاملة، وهكذا في صفات كثيرة والله المستعان, والمقصود: أن القول في بعض الصفات كالقول في بعض فتأمل هذه القاعدة العظيمة وتدبرها حق تدبرها تجدها برد اليقين على الفؤاد، وهذا هو شأن الحق، فإنه ينزل على القلوب المحبة له كالسلسبيل العذب البارد في القيظ الحار الجاف والله يتولانا وإياك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت