الصفحة 5 من 192

لقد كان - كما قُلْت - شيئا قَدَرِيًّا يشُدُّني إلى الأستاذ أنور الجندي ، …. رَتَّبَتْ الأقدار أن أتجشم هذا العمل فألحق بالرجل في أيامه الأخيرة أَرْقُبُهُ عن قُرْبٍ وأُقَبِّلٌ يده وأعوده في مرضه وأقلب أوراقه ، وأسجل أواخر كلماته وأيامه ، ثم أَحْظَى بشرف غسله وتكفينه بيدي ، وأشارك في تشييعه إلى مثواه الأخير ودفنه … وها أنذا أجد الواجب يفرض علي أن أكتب عنه وفاءا بعهدٍ قطعتُه على نفسي من قديم … إني أعلم أن هذا الكتاب لن يفي ولن يستوعب شيئا من حياة وفكر هذا العملاق ، لكني أَعُدُّهُ طليعةً لغيره من المؤلفات … ولقد كان شيئا عجيبا في هذه المقادير أن أتدرج في طريقي هذا حتى أتولى مسئولية مكتبة الأستاذ أنور الجندي ثم صناعة بنك معلومات متعلق بالأستاذ ، ثم أجدني اليوم أخط هذه الصفحات - وإنه لكبير شرف خصني الله به - في داره الكريمة .. في عرين الأسد .

والحق أن كتابات الأستاذ أنور الجندي إنما هي درر علمية نفيسة يصعب تكرارها أو إيجاد بديل لها، وإن ما قد نجده من كتابات في بعض القضايا المشتركة لكُتَّابٍ آخرين تَمَيَّزَتْ عنها كتابات أنور الجندي بما اتسمتْ به من عُمقِ فكر وشمولِ تصور ، لقد استطاع أنور الجندي أن يصل إلى وضع تصورٍ متكاملٍ للفكر الإسلامي المعاصر والصحوة الإسلامية وقضاياهما الفكرية المختلفة ، وكانت كتاباته وإن تنوعت دائما تعرف موضعها بدقة في هذا البنيان المتكامل .

ولقد وجد أنور الجندي نفسه في كثير من المواطن يدعوه الواجب - واجب نُصرة الإسلام والدعوة الإسلامية - إلى التصدي لسد خلل عَجَزَت عنه دراسات المعاهد والجامعات وبرامج التربية والتعليم المقررة في ديار الإٍسلام على اتساع رقعتها بكل ما تملك تلكم المؤسسات من إمكانات بشرية ومادية لا توصف ، فكان هو الرجل الذي قام مقام أمة (1) .

(1) انظر مقدمة"مقدمات العلوم والمناهج"لأنور الجندي .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت