وإزاء ما حلّ بالمسلمين من نكبات في بلاد الشام بسبب الحملة الصليبية، خرج الناس من الشام إلى بغداد لاستثارة الخليفة العباسي، والسلطان السلجوقي محمد ملكشاه، لكن المسلمين حينها كانوا في وضع لا يحسدون عليه، فالخلافة تعاني الضعف، والخلافات تدب في البيت السلجوقي، ومؤامرات العبيديين تحاك ضد المسلمين، حتى قال الإمام ابن كثير واصفًا ذلك الضعف:"... وخرج أعيان الفقهاء يحرضون الناس والملوك على الجهاد فلم يفسد ذلك شيئًا، فإنا لله وإنا إليه راجعون".
لكن ذلك الضعف والتفكك لم يمنع الكثير من المحاولات الجادّة لمحاربة الصليبيين في تلك الفترة، وقد انتصر المسلمين في بعض المعارك، وقد أشرنا إلى أن أولى تلك المعارك التي انتصر بها السلاجقة سنة 489هـ في قونية، في عهد السلطان ركن الدين أبي المظفر ابن ملكشاه.
وبرز اسم أمير الموصل مودود كأحد قادة الجهاد ضد الصليبيين، إلى جانب طغتكين صاحب دمشق، فقد كان لهما همة عالية وجهد كبير في محاربة الحملة الصليبية الأولى، فقد ذكرنا أن طغتكين زوّد العبيديين بالمؤن والمساعدات في صور كي لا تسقط في يد الصليبيين، وكان من أسباب صمودها بحمد الله.
كما أنه أغار في سنة 499هـ على بلاد الجليل في شمال فلسيطين.
أما مودود، فيقول فيه ابن الأثير"وكان خيّرًا عادلًا كثير الخير"وقد كان سبّاقًا لقتال الصليبيين لولا خذلان بعض الأمراء له، الأمر الذي جعله يترك العمل مع هؤلاء الأمراء، ويتوجه للعمل مع أمير دمشق طغتكين ويتفق معه على حرب الصليبيين في الشام، ففي سنة 505هـ أغار مودود على الصليبيين، وفي العام التالي سار إلى جهات طبريا، وأغار على مدينة طبريا. وقبل ذلك كان يجمع جنوده في إمارة الرها، وخرب الكثير من بلاد الأرمن الساكنين هناك، الذين كانوا يعانون الصليبيين القادمين من أوروبا، وأسر عددًا من جنود الصليبيين.