وكان العبيديون الفاطميون قد استغلوا تقدم الصليبيين من الشمال، فتقدموا هم من الجنوب، وكانوا قد دخلوا القدس، وطردوا السلاجقة منها، قبل وصول الصليبيين، وجرت مفاوضات بين العبيديين، وبين الصليبيين على أن يكون شمال بلاد الشام للصليبيين، وجنوبها للعبيديين، ثم نقض الصليبيون العهد عندما شعروا بالنصر.
وبسيطرة الصليبيين على بيت المقدس، ارتفعت معنويات سكان الإمارات الإيطالية، فبدأت سفنهم تجوب أطراف البحر المتوسط، وتقدم المساعدات والدعم للصليبيين، فاستطاعوا أن يأخذوا حيفا وقيسارية سنة 494، وعكا سنة 497، وطرابلس 503هـ بعد حصار سنتين، كما أخذوا جبلة في العام نفسه، وصيدا في العام التالي. وحاصروا صور عام 505 وكانت بيد العبيديين، فأمدّهم طغتكين صاحب دمشق، الذي سيبرز هو ومودود كأبرز قادة الجهاد ضد الصليبيين في تلك الفترة، بالمؤن والمساعدات، فلم يستطع الصليبيون احتلال مدينة صور.
والدور المشبوه الذي لعبه العبيديون في بداية الحروب الصليبية، يحتاج إلى وقفة، فقد أرسل بدر الجمالي، وزير المستعلي العبيدي، سنة 490هـ، سفارة من قبله إلى قادة الحملة الصليبية الأولى تحمل عرضًا خلاصته ـ كما ذكرنا ـ أن يتعاون العبيديون والصليبيون للقضاء على دول السلاجقة في بلاد الشام، وأن تقسم البلاد بينهما، بحيث يكون القسم الشمالي من الشام للصليبيين، في حين يحتفظ العبيديون بفلسطين.
ولمّا قام الأمير كربوق، صاحب الموصل آنذاك من قبل السلاجقة، بتجهيز قوة لمنع سقوط أنطاكيا بيد الصليبيين، وقف العبيديون موقف المتفرج، ولم يكتفوا بذلك، بل استغلوا الفرصة، وسيّروا جيشًا إلى بيت المقدس الذي كان بيد السلاجقة، وحاصروه ونصبوا عليه أكثر من أربعين منجنيقًا حتى تهدمت أسواره، وسيطروا عليه.