ولكن بعض العوامل أدت إلى ضعف دولة السلاجقة، ودخول بعض القبائل البربرية في النصرانية، وتحقيق الإمارات الإيطالية بعض الانتصارات على أمراء البحر المسلمين الذين كانوا يعيقون عمل السفن الإيطالية في البحر المتوسط، الأمر الذي جعل البابا إيربان الثاني يشعر بأن الظروف مواتية لغزو بلاد المسلمين واحتلال أراضيهم، خاصة بلاد المقدس، وبعد النفوذ الذي حصل عليه إيربان بعد اختياره بابا لروما سنة 481هـ.
دعا إيربان إلى اجتماع لرجال الدين سنة 489هـ في كليرمونت بفرنسا، ودعا إلى الحرب الصليبية، وطالب الأمراء بترك الخلافات القائمة بينهم، وقدّم لهم الصليب، وجعل مبررًا لهذه الحرب ما يقوم به السلاجقة من مضايقة للحجاج النصارى الذين يريدون بيت المقدس، وطلب أن يحتل النصارى بيت المقدس.……
وساهم بهذه الدعوة بطرس الناسك الفرنسي، وسار بجموع المتطوعين، وسبق جيوش الأمراء النصارى النظامية، وأخذوا يسببون الفوضى والدمار لكل المناطق التي مرّوا عليها، حتى النصرانية منها... وعندما وصلوا إلى بلاد المسلمين أحرقوا الأخضر واليابس وعاثوا في الأرض فسادًا، فتصدى لهم السلاجقة في نيقية (جنوب تركيا) فأفنوهم عن بكرة أبيهم سنة 489.
وفي هذه الأثناء بدأت حملة أمراء الجيوش النظامية، فاتجه بعضهم إلى الرها (شمال العراق) واحتلوها وأسسوا بها إمارة نصرانية، وسار باقي القادة إلى أنطاكيا (شمال غرب سوريا) ، فدخلوها عنوة سنة 491، بعد حصار دام سبعة أشهر، وقتلوا من أهلها أكثر من عشرة آلاف، وارتكبوا أبشع الجرائم، ثم اتجهوا بعدها نحو بيت المقدس.
فسار لقتالهم كربوقا صاحب الموصل، ودقاق صاحب دمشق، وجناح الدولة صاحب حمص، غير أن الصليبيين قد انتصروا عليهم، ودخلوا معرّة النعمان (بين حلب وحماة) ، ووصلوا إلى بيت المقدس في عام 492 وقتلوا من أهلها أكثر من سبعين ألفًا، وخاضت خيولهم ببحر من الدماء.