فهرس الكتاب

الصفحة 408 من 7490

وبخلاف السنة الذين اتبعوا اتجاههم التاريخي في العمل على إقامة دولة للعراقيين جميعًا, ومقاومة الاحتلال استجابة لانتماء ينتفي معه اصطياد الفرص والمكافآت, ولهاجس محكوم بحتميات مسار عام للتاريخ يصنع المستقبل على نحو متناقض مع المخططات الراهنة التي تناطح التاريخ والجغرافيا, فقد أدار الشيعة ظهرهم للتاريخ والمستقبل مستجيبين لغرائز أولية من الانتقام, وفرص تقدمها اللحظة التاريخية للمغانم, دون اعتبار للتحول الذي يحكم به قادة الشيعة على أنفسهم ومجتمعاتهم من عراقيين يحكمهم الانتماء والمشاركة دون اعتبار آخر إلى جماعات وظيفية تغويها اللحظة القائمة, وتغريها قوى دولية وإقليمية تبدو مهيمنة, وتغرق بسياساتها وأعلامها وسلوكها المجال أمام كل محاولة لاسترجاع مبادىء بناء الدول وعلاقاتها الخارجية الإقليمية والدولية.

وتبدو الشيعة إسلاميًا تتوزعها الحوزة العلمية والأحزاب والحركات القائمة عليها, أو التي تستمد قوتها وتأثيرها من مرجعيتها وتأييدها, لكنها تسمح لنفسها بالاجتهاد السياسي والعمل القائم على تفكير في جوهره علماني وبراغماتي تغطيه قشرة من المرجعية الإسلامية أو هيبة التاريخ والزعامة لقادته. وكان هذا الخلط بين الديني والسياسي والدعوي والتنظيمي مصدرًا للحيرة والغموض والارتباك حتى تحول الغموض نفسه إلى سياسة عامة تتوصل بالتقية وتحمي من الحقيقة وتداري التناقض والازدواجية والأعمال والمخططات غير المعلنة والتعاون مع القوى والدول السياسية, وفي الوقت نفسه تقدم خطابًا ثوريًا رومانسيًا, ولعله أيضًا مأساوي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت