فهرس الكتاب

الصفحة 262 من 7490

وكانت هذه الدعوة الإلحادية ترمي إلى نشر المجوسية بالتأويلات التي يتأول بها دعاتهم على القرآن والسنة, ويستدلون بذلك على أن إمامهم وزعيمهم الأول, ميمون بن ديصان كان مجوسيًا, ويستدلون أيضًا بما قاله البرذهي, وهو من زعمائهم في بعض رسائله:"إن المبدع الأول أبدع النفس, ثم إن الأول والثاني دبرا العالم بتدبير الكواكب السبعة والطبائع الأربع, وهذا ما يطابق قول المجوس أن اليزدان خلق أهرمن, وأنه مع أهرمن مدبران للعالم, غير أن اليزدان فاعل الخيرات, وأهرمن فاعل الشرور."

ولم يبحث ابن ميمون عن أنصاره الحقيقيين بين الشيعة الخلّص, ولكن بين الوثنية والوثنيين وطلاب الفلسفة اليونانية, وإليهم وحدهم استطاع أن يفضي بسره وعقيدته وهو أن الأئمة والأديان والأخلاق ليست إلا ضلالًا وسخرية.

وهكذا حمل عبد الله دعوة أبيه, ونظمها ببراعة مدهشة, واتخذ بلدة ساباط, جنوب الفرات, مركزًا لدعوته, ولمّا شعرت السلطات العباسية بخطورة هذه الحركة, نشطت إلى إخمادها, وفرّ عبد الله أولًا إلى البصرة, ومعه الحسين الأهوازي من أقطاب شيعته, فلما جدّت السلطات في مطاردته فرّ الحسين إلى الشام, ونزل ببلدة"سلمية"من أعمال حمص, واتخذها مركزًا للدعوة.

وحمل الدعوة من بعده ولده أحمد, وسيّر الحسين إلى العراق, وهناك استطاع أن يمهد لإضرام الشرارة الأولى في تلك الثورة الملحدة, ونعني ثورة القرامطة التي ابتدأت في جنوب العراق سنة 280هـ, على يد الفرج بن عثمان الفاشاني المعروف بذكرويه, وحمدان بن الأشعث المعروف بقرمط, وهو الذي تنسب إليه القرامطة, وكانت الدعوة قد اجتاحت جنوب فارس كله, وانسابت إلى البحرين والإحساء, وعاش القرامطة حينًا في جنوب العراق وغزوا الشام غير مرّة, واستقرت دولتهم بعد ذلك في البحرين في أواخر القرن الثالث الهجري, وعصفت مبادؤهم الإلحادية الإباحية بالعالم الإسلامي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت