وفي تعليقه على عناصر الدعوة المذهبية الفاطمية, ومراتبها السرية يقول د. عنان:"إننا نجد أنفسنا أمام دعوة فلسفية حرة, ترمي إلى هدم العقيدة الدينية العادية", ويقول في موضع آخر من كتابه:"من المسلم به إذًا أن الدعوة الفاطمية, كانت لها ناحية سرية, يُضنّ بها على الكافة, ولا يُفضى بها إلا إلى الصفوة من الناس, وأن هذه الدعوة السرية كانت تتضمن مبادىء فلسفية إلحادية".
نشأة الدعوة وتطوراتها
وفي فصل خاصٍ من الكتاب, يتحدث المؤلف عن أصل الدعوة السرية الفاطمية التي نشأت ونظمت مبادؤها على يد جماعة من الثوريين الملاحدة بزعامة أبي شاكر ميمون بن ديصان البوني المعروف بالقداح. وكان ميمون القداح هذا داعية ملحدًا تفقه في دروس الأساطير الدينية, والبحوث الكلامية والجدل الفلسفي, ومتآمرًا وافر الإقدام والجرأة, وكان فارسيًا مجوسيًا من سبي الأهواز, ثم تظاهر بالإسلام والتشيع.
وقد بدأ ميمون حياته مولى لجعفر بن محمد الصادق, وسُجن في عهد المنصور, وفي السجن وضع ميمون وأصحابه دعوتهم, ولمّا خرج من السجن, انضم إليه كثير من غلاة الرافضة والحلولية وادّعى أنه من ولد محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق, وانتشرت دعوته في جنوب فارس وفي جنوب العراق والبحرين, وانبث دعاته في كل مكان يتسترون ظاهرًا بالتشيع, ويعملون في الخفاء لبث مبادئهم الإلحادية, وكانوا يتوسلون للتأثير في الناس بأعمال التنجيم والسيمياء, وبعض التجارب الكيميائية التي كانوا يتقنونها.
وحمل الدعوة بعد ميمون ولده عبد الله, وكان مثل أبيه براعة وتبحّرًا في المباحث الفقهية والكلامية والنظريات الفلسفية, وكان يدعو لإمامة آل البيت الذين كان يزعم الانتساب إليهم, وكان يدّعي العلم بالغيب والأسرار الروحيّة والعلوم الخفيّة.