فهرس الكتاب

الصفحة 251 من 689

المعطوفُ شيئًا لا يكونُ حتى يكونَ المعطوفُ عليه، ويكونَ الشرطُ لذلك سببًا فيه بوساطةِ كونه سببًا للأول1، ومثالُه قولُك:"إذا رجَع الأَميرُ إلى الدار استأذنتهُ وخرجتُ"، فالخروجُ لا يكونُ حتى يكون الاستئذانُ، وقد صارَ"الرجوعُ"سَببًا في الخروج، من أجلِ كونِه سببًا في الاستئذان، فيكونُ المعنى في مثلِ هذا على كلامين، نحوُ:"إذا رجَع الأميرُ استأذنتُ، وإذا استأذنت خرجتُ".

وإذا قد عرفْتُ ذلك، فإِنه لو عُطِفَ قولُه تعالى: {اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ} على"قالوا"كما زعمتَ، كان الذي يتصوَّرُ فيه أن يكونَ من هذا الضربِ الثاني، وأن يكونَ المعنى: {وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} ، فإِذا قالوا ذلك استهزأَ اللهُ بهم ومدَّهم في طُغْيانِهم يَعْمَهون.

وهذا وإن كان يُرَى أنه يَسْتَقيمُ، فليس هو بمستقيمٍ. وذلك أنَّ الجزاءَ إنَّما هو على نَفْس الاستهزاءِ وفِعْلِهم له وإرادتهم إياه في قولهم:"آمنا"، لا على أنهم حدثوا على أنفسهم بأنه مستهزؤون والعَطْفُ على"قالوا"يَقْتضي أَنْ يكونَ الجزاءُ على حديثهم عَنْ أنفسِهم بالاستهزاء، لا عليه نفسِه.

ويبيِّنُ ما ذكرناه مِنْ أنَّ الجزاءَ يَنْبغي أن يكونَ على قَصْدِهم الاستهزاءَ وفِعلهم له، لا على حديثهم عن أنفسهم بأن مستهزؤون2 أنَّهم لو كانوا قالوا لكُبرائهم: {إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} وهُم يريدونَ بذلكَ دَفْعَهم عَن أنفسِهم بهذا الكلام3، وأنت يَسْلَموا من شَرِّهم، وأنْ يوهموهُم أَنَّهم مِنْهم وإن

1 في المطبوعة وحدها:"بواسطة".

2 السياق:"وبين ما ذكرناه .... أنهم لو كانوا ..".

3 في"ج":"دفعًا عن أنفسهم".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت